أخيراً جددت الحمام!

كانت واحدة من أقوى أماني “ذات” إنها تجدد الحمام، خاصة بعد ما زارت صاحبتها “منال” وشافت حمامها جميل إزاي. يمكن عندها حق شوية خاصة إن سباكة حمامها كانت بايظة ومبهدلة حمام جيرانهم اللي تحتهم. بس اللي لفت نظري إن تعاملها مع الموضوع كان مبالغ فيه شوية، يعني كل شوية تعيط لجوزها عشان يجددوا الحمام، تحلم بتجديد الحمام وتصحى من النوم مفزوعة بسبب كابوس شافته عن الموضوع ده!

قالت جملة لجوزها خلتني أشوف الموضوع من زاوية تانية وأتعاطف معاها شوية “أنا عمري كله باقضيه في المطبخ والحمام من ساعة ما بارجع من الشغل، يا باطبخ يا باغسل” فمن حقها يعني إنها تقضي وقتها في مكان كويس.

لكن برضه مش أقدر أبلع ردود أفعالها المبالغ فيها دي للآخر. لكن نقدر نبلعه لو فهمنا هي ليه في الحقيقة بتعمل كده.

الحقيقة إن “ذات” مش راضية عن حياتها ولا عن نفسها، حياتها بهتانة وماسخة. اتعرضت لإساءات كتيرة في طفولتها وفي حياتها سايبة أثر في شخصيتها وفي صورتها أمام نفسها. ده بالإضافة إلى إنها لما وافقت على جوزها ساعة ما تقدم لها مش وافقت عن اقتناع بشخصيته أو عن حب له، وإنما عشان كل صاحباتها اللي في سنها اتجوزوا وهي خافت تعنس، وكمان كانت فرحانة بفكرة إنها عروسة ومخطوبة وكده. وطبعاً لما اتجوزت، زالت الغشاوة من على عينيها وبدأت تشوف بقى الحياة على حقيقتها بحلوها ومرها. بدأت سلبيات شخصية جوزها تبان أو نقدر نقول إن هي بدأت تشوفها. إلى جانب إنها اتعرضت للختان وهي صغيرة وطبعا ده مؤثر على علاقتها بزوجها.

الخلاصة إن هي عندها مشاكل كتيرة في حياتها وفي شخصيتها، ناتج عن المشاكل دي مشاعر سلبية كتيرة بس هي متجاهلاها أو بتنكرها أو كابتاها، مش متواجهة معاها يعني. فالمشاعر دي عاوزة تنفس عن نفسها بأي طريقة، فعشان كده بتظهر في مواقف مالهاش علاقة بمشاكلها الحقيقية وبشكل مبالغ فيه.

ولأن حياتها ككل مالهاش معنى، فبتحاول تلاقي المعنى ده في حاجات صغيرة زي مثلاً إنها تجدد الحمام، وبعده ما تحقق الهدف ده أكيد هيظهر هدف تاني من النوع ده، زي إنها تشتري غسالة فول أوتوكاتيك مثلاً، وهكذا.

أنا مش بانكر على حد إنه يحب يجدد في بيته أو يعيش في مكان جميل ونظيف، لكن أنا باتكلم على ردود أفعالها المبالغ فيها وعلى إن شغلنا الشاغل في الحياة يكون إننا مثلاً نجدد الحمام!

فى بداية سنة جديدة اعمل كشف نظارة!

تخيل لو لبست نظارة طبية مش بتاعتك وقضيت بيها – نقول – كام ساعة بس.. هيكون إحساسك إيه؟ وإيه اللى هيحصل؟ كوارث طبعاً، وخبطات، وإصابات، وخسائر فى الأشياء ويمكن الأرواح! وطبعاً إحساس مزعج جداً أنك مش شايف كويس، وكل حاجة ملخبطة كده، وصداع، وعصبية.

الخبر اللى مش حلو أن كلنا بنلبس فى حياتنا ساعات نظارات مش بتاعتنا، يعنى إيه؟ بمعنى إن بيكون عندنا أفكار غلط ومشوهة عن نفسنا وعن الحياة والناس وربنا. الأفكار دى اللى بتتحكم فى مشاعرنا وتصرفاتنا.

فمثلاً لو واحد فكرته أن “كل” الناس عاوزة مصلحتها وبس، مش هيقدر يمتن لأى حد بيساعده فعلا لوجه الله لأنه هيكون عنده إحساس بالتوجس فى هذا الشخص. لو واحدد مثلاً عنده إحساس بالدونية والرفض، مش هيقدر يستقبل حب الناس وهيبقى دايماً حاسس إنهم بيجاملوه وأى هفوة منهم هيفسرها إنها قلة اكتراث أو عدم اهتمام. وده خلانى أفهم معنى إن اللى بيسئ الظن بغيره فالمشكلة بشكل كبير عنده هو شخصياً، المشكلة فى نظارته، وكل إناء ينضح بما فيه.

المشكلة الأكبر بقى مش لما يكون الواحد لابس نظارة غلط، لكن لما يكون مش واخد باله أصلاً أنه لابس نظارة غلط أو لما يكون ماعندهوش استعداد يجرب نظارة تانية يمكن تريحه أكتر. هنا بقى بيكون العك، وهنا بقى نبدأ نغلط فى الناس ونبوظ علاقاتنا بيهم ونخسرهم. على عكس لما يكون الواحد واعى بنفسه شوية هيبقى عارف أن المشكلة فيه هو فده يفرمله شوية، حتى لو لسة مش قادر يجيب نظارة تانية على مقاسه.

وعشان كده فى نهاية 2012 بادعو نفسى وإياكم نختبر نظاراتنا عشان نخش على 2013 والدنيا قصادنا أوضح.

شاهدت لك: مهرج المرضى

220px-Patch_Adams

ينجو من محاولة انتحار فيقرر الذهاب إلى مصحة نفسية. ويبدأ علاجه فى جلسات فردية مع الطبيب وجلسات علاجية جماعية مع غيره من المرضى، ولكن كل هذا لا يساهم فى علاج بطل الفيلم “هنتر آدمز” أو كما أطلق عليه المرضى “باتش آدمز”، فالطبيب يقوم بعمله بطريقة آلية تخلو من أى نوع من التفاهم الإنسانى. فى هذه الفترة التى يقضيها “باتش” فى المصحة يقيم علاقات مع المرضى، ويكتشف أن السبيل إلى التغلب على كل آلامه هو فى مساعدة الآخرين.

فى المصحة النفسية تحدث الكثير من المواقف الطريفة والعميقة فى معناها فى نفس الوقت:

  • فهناك مشهد الطبيب أثناء جلسة المشورة مع “باتش” وهو يضبط كوب الشاى بوضع السكر واللبن ثم التذوق ثم إضافة المزيد، كل هذا والمريض “باتش” يتكلم! ثم يختتم الجلسة بمنتهى البرود الذى يدل على أنه لم يستمع حقاً لما قاله “باتش”.
  • وهناك مشهد “باتش” عندما يدخل على أحد المرضى (الذى فيما أعتقد لديه جنون العظمة) فى غرفته وهو يكتب ويضع بجواره كوباً من الشاى قد أصاب خرق فأخذ الشاى يتسرب منه. لاحظ “باتش” ذلك فقام فى صمت بلصق Patch أو رقعة على مكان الخرق فتوقف تسرب الشاى من الكوب، وهنا تغيرت معاملة المريض لـ”باتش” تماماً، فقد استطاع بتصرف صغير جداً أن يعبر عن اهتمامه الصادق به، وكان هذا الجسر الذى عبر عليه إليه.
  • أما المشهد الثالث والذى أعجبنى جداً فأترككم تشاهدونه بأنفسكم على هذا الرابط:

http://www.youtube.com/watch?v=WfGHIl4rHw4 (لم أستطع أن أجده مترجماً للأسف)

يقرر “باتش” الخروج من المصحة ويلتحق بكلية الطب ليقوم برسالته فى مساعدة الآخرين. وينظر “باتش” إلى مهنة الطبيب بشكل مختلف حيث يركز على الجانب الإنسانى ويعامل المرضى كبشر وليس كحالات، ويفعل فى سبيل ذلك أشياء مضحكة أحياناً وغريبة أحياناً ورقيقة أحياناً، وهى فى جميع الحالات غير تقليدية بالنسبة لأساتذته وزملائه. ويتمسك “باتش” برأيه وأسلوبه ويخوض فى سبيلهما الكثير من الصراعات التى تنتهى بقرار أستاذه بفصله من الكلية بتهمة “السعادة المفرطة”! ويتقدم “باتش” بتظلم إلى جهة علمية أو طبية عليا (لا أذكر اسمها أو صفتها بالضبط) فتحكم ببقاء “باتش” فى الكلية.

الفيلم بشكل عام أعجبنى، وأعجبنى ما يوصله من معانٍ إنسانية وبطريقة فكاهية. ربما لم يعجبنى فيه ما شعرته من مثالية زتئدة فى شخصية “باتش”. كما أننى أيضاً لم أقتنع تماماً بفكرة أن مساعدة الآخرين يمكن أن تكون هى العلاج “الوحيد” لمن يعانون من ضغوط ومتاعب نفسية كبيرة. ففى رأيى، والذى قد أكون مخطئة فيه، أننا بغير استكشاف عميق ومواجهة صادق مع ما يؤلمنا حقاً فإن مساعدة الآخرين “وحدها” تصبح هرباً وربما تضر بنا وبمن نساعدهم!

أنا… وأبى

لم تحظَ باهتمام أبيها فى الحقيقة فحصلت عليه لنفسها فى الصورة. تالا فتاة مراهقة تعيش مع أمها المنشغلة بكتبها ودوراتها حتى أنها تقوم بالقراءة أثناء الطبخ. أما أبوها فمنفصل عن أمها ويسكن فى مدينة أخرى، يسكن فى بيت هو نفسه الأستوديو الخاص به مع ابن زوجته الثانية “جمال” والذى يعمل معه كمساعد له، فأبوها مصور شغوف بعمله شغفاً.

قررت تالا أن تقصر شعرها جداً حتى تلفت نظر أبويها، فالإنسان إذا لم يحصل على الاهتمام الذى يحتاجه وخاصة فى طفولته فسوف يظل لديه جوع للحصول على هذا الاهتمام عندما يكبر وبأى شكل. تعاملت الأم مع الأمر ببرود شديد، أما أبوها فعندما أتى تعجب وضاق بذلك ولكن الأم هدأته قائلة بأن مثل هذه التصرفات طبيعية فى سن تالا.

اصطحب الأب تالا لتقضى معه أسبوعاً، كانت تالا تتصور أنها أخيراً ستستطيع أن تقضى بعض الوقت مع أبيها، ولكن أحلامها ذهبت مع رياح الواقع التى كانت تنقل أبيها الشغوف بعمله من مكان إلى مكان. كانت الفتاة ذكية فقررت أن تتقرب إلى أبيها وأن تقول له ما تريد أن تقوله بلغته، وهى الصور الفوتوغرافية فقد كان الأب المصور يرى أن الكاميرا تستطيع أن ترى أشياء لا يراها الإنسان وتسجل لحظات لا يعيها. وقد دفعنى تصرف تالا إلى التساؤل عمن المفترض أن يقوم بالتقرب إلى الآخر: الآباء أم الأبناء؟ فى رأيى أنه بالأساس دور الآباء وخاصة فى سنوات الطفولة والمراهقة لدى الأبناء، ويستطيع الأبناء أن يقوموا بهذا الدور عندما يصلون إلى مرحلة من النضج تمكنهم من ذلك. هذا النضج سيساعد عليه الحصول على الاهتمام الكافى من الآباء فى سنوات النمو وكأنه رصيد يضعه الآباء فى قلوب الأبناء ليستطيع الأبناء الاعتناء بأنفسهم وبالآخرين عند الكبر. حرمان الإنسان من هذا الاهتمام لا يمنع نضجه بالطبع ولكنه يعطله وربما يجعله أصعب.

المهم، تعلمت تالا التصوير على يد “جمال” وخرجت تتبع أباها دون أن يراها وأخذت تلتقط له صوراً عديدة، كان من ضمنها صورة له وهو يتكلم مع أحد فاتحاً ذراعيه حيث كان يصف حجم إحدى صوره. واشتركت “تالا” بهذه الصورة (بعد أن أجرت عليها تعديلاً بمساعدة “جمال”) فى مسابقة للتصوير الفوتوغرافى أقامها أحد المعارض، واشترك أبوها فى نفس المسابقة. وفى يوم إعلان النتيجة ذهب الأب ومعه “تالا” و”جمال”، وأزيح الستار عن الصورة الفائزة وكانت صورة الأب فاتحاً ذراعيه ومقبلاً نحو “تالا” وكأنه يحتضنها.. لقد كان هذا هو التعديل الذى أدخلته “تالا” على الصورة التى حققت فيها ما لم تستطع تحقيقه فى الواقع.

بعد أن عشت مع “تالا” كل هذه الأحداث وتأثرت بمشاعرها، تكشف لنا الكاتبة أن هذا كان حلماً! ولكن الحلم بدأ يتحقق فقد قصرت “تالا” شعرها فعلا وجاء أبوها ليأخذها معه لقضاء بعض الأيام سوياً، وفى الطريق عبرت له عن مشاعرها نحوه واحتياجها إليه وكان من ضمن ما قالت: “أنا أحتاج إليك… أنا لست خائفة لكنى أريد أن يمسك أبى بيدى”وبينما كانت تواصل حديثها اقترب منها أبوها وهو يفتح ذراعيه على اتساعهما فارتمت تالا بين ذراعى أبيها، ظلا متعانقين وقد يظن البعض أنه أمام صورة فوتوغرافية رائعة…

لقد أمسكت بالقصة فلم أستطع وضعها من يدى حتى أنهيتها فى حوالى ساعتين، الأسلوب سلس، ومختلف من حيث أن الكاتبة تنوع فى الراوى، بالإضافة إلى قدرتها الرائعة على وصف مشاعر تالا وأفكارها فى مختلف المواقف..

تأليف: فراسيس روال، ترجمة منى سمير، دار إلياس العصرية للطباعة والنشر

يوم فى أسيوط

دخلت تسلم علينا وقد ارتسمت الصدمة على وجهها، يمكنك أن ترى الصدمة متجسدة فى نظرة عينيها الذاهلة الشاردة، وحركتها التى تشعر منها أنها معنا بجسدها فقط أما روحها ففى مكان آخر، لقد تعلقت بطفلها الذى توفاه الله فى حادث قطار أسيوط الأليم.

وهذه أم أخرى جلست على السرير، منكسرة، مطرقة برأسها إلى أسفل، عندما يناولها أحد شيئاً تضعه أمامها فى لامبالاة، تنطق ملامحها بأنه لم يعد للحياة معنى بعد أن فقدت جزءاً من قلبها وأعز من لديها.

وهذه أم لبنتين توأم (آيات وإيمان) تكاد لا تفرقها عن باقى نساء المنزل من الابتسامة التى تزين وجهها بزينة الصبر والثبات، وقد قالت لنا: “أنا مش حاسة إنكم جايين تعزونا، أنا حاسة إنكم جايين تحتفلوا معانا واحنا بنزف عروستين”… وانتهى اللقاء بيننا وبينها وحضن ملئ بالمشاعر التى لا توصف بالكلمات ولكنها تحس فى القلب…

الحزن يملأ البيوت ويعصر قلوب الأمهات، ولكن ربما يخففه قليلاً الصبر، وربما يهونه أيضاً التآزر والتعاطف والتراحم الذى نكاد نشعر عندما نشاهد وسائل الإعلام أنه حلم من الماضى! فلا تجد أهل بيت وحدهم ولكنك لا تدخل بيتاً إلا وتجده مليئاً لا بأسرة المتوفى فقط ولكن العائلة والجيران…

الموقف صعب، عجز لسانى عن الكلام إلا عن الدعاء… ولكنى شعرت أن تواجدنا ومشاعرنا كانا يغنيان عن الكلام… فإن ما يحتاجونه مشاعر وليس كلاماً.

قالت لنا إحدى السيدات من أهالى المتوفين: “زياراتكم دى بتخفف عنا كتير”… سعدت واستبشرت عندما سمعت هذه الجملة لأنى كنت متخوفة أن نكون بذلك نثقل عليهم أو نجدد أحزانهم، ولكن البيوت مفتوحة والقلوب مرحبة وسعيدة بمن جاءوا من القاهرة فقط لتقديم العزاء.

ورغم الحزن ورغم رقة الحال فأهلنا فى الصعيد أهل كرم، لم ندخل بيتاً إلا وكان أهله يصرون على أن “ناخد واجبنا” أو نشرب الشاى، أو “ندخل الحمام نتشطف” لأننا قادمون من سفر.

لا أخفى الشعور بالقلق الذى انتابنى: هل لو كنت مكان واحدة من هؤلاء الأمهات أو أصبت بأى ابتلاء شديد مثل هذا… هل أستطيع أن أصبر وأرضى؟؟ فاللهم لا تحملنا ما لا طاقة لنا به، وارزقنا وإياهم الثبات والصبر.

وأخيراً، لو لم نأخذ من سفرنا هذا سوى دعاء الأهالى “ربنا يستركم” لكفى…

————-

شكراً لصفحتى “على فكرة أنا مصرى” و”فسحنى شكراً على إيجابيتهم وتنظيمهم لهذه الزيارة:

https://www.facebook.com/3la.fekra.ana.masry

https://www.facebook.com/Fasa7ny.shokran?ref=ts&fref=ts

بعض صور الزيارة:

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=559194567430120&set=a.559194520763458.148483.208738142475766&type=3&theater

البائعون يقفون

“لو شافنى قاعدة يزعق، من ساعة ما اشتغلت هنا وأنا طلعت لى دوالى فى رجلى” قالت لى  هذا الكلام سيدة بائعة فى أحد المخابز الأفرنجية فى الأربعينيات أو الخمسينيات من عمرها متحدثة عن صاحب الفرن، وسمعت نفس الشكوى قبلها بأيام قليلة فى أحد متاجر الملابس.

أتفهم أن يقف البائع عند وجود مشترٍ أو زبون بالمحل لكن أن يقف طوال الوقت هذا هو ما لا أتفهمه ولا أعقله. كيف يستطيع البائع المتعب الذى يعانى من آلام فى رجليه بسبب الوقوف طوال اليوم أن يهش ويبش فى وجه الزبائن، وأن يكون لطيفاً معهم، ومتحملاً لطلباتهم وسخافاتهم أحياناً؟ ألا تدخل أحد المتاجر أحياناً وترغب فى الشراء منه فقط لأن البائع لطيف ومؤدب، وعلى العكس فى متاجر أخرى حيث يشعر الواحد أنه لا يريد أن يكمل مشاهدة معروضات المحل فقط بسبب البائع العبوس الذى تشعر وأنه يريد أن يضربك؟!

بصراحة أنا لا أستطيع تفسير هذا التصرف من أصحاب المحلات سوى بأحد تفسيرين: انعدام للتراحم، أو غباء.

فى مرة بكى جمل بين يدى النبى (صلى الله عليه وسلم)، وسأل النبى (صلى الله عليه وسلم) عن صاحبه وقال له: “أَفَلا تَتَّقِي اللهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللهُ إِيَّاهَا؟! فَإِنَّهُ شَكَى إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ” هذا فى حيوان، فما بالنا بالإنسان!

هذا عن التراحم، أما عن الغباء والذكاء فى معاملة الموظفين فأترككم تشاهدون هذا الفيديو:

https://www.youtube.com/watch?v=oOo2YzfQjao

الشقة الجديدة

“أنا عايشة لوحدى.. أيوه عايشة لوحدى.. وإحساس وحش أوى لما الواحد يكون عايش لوحده ويتصل بحد فى التليفون فيلاقيه مش بيرد أو قافل الموبايل… لما بيحصل معايا كده باحس بوحدة فظيعة! ساعات بيبقى نفسى أتكلم مع حد، ولما مابالاقيش حد أتكلم معاه، بابص فى المراية وأقعد أكلم نفسى. ساعات باحس إنى مجنونة! ممكن تكونوا بتسألوا نفسكم: ليه أنا عايشة لوحدى؟ وإزاى مش خايفة على نفسى؟ ويمكن تكونوا بتقولوا جواكم علىّ إنى بنت مش كويسة. كل اللى بيعرفوا إنى عايشة لوحدى بيقولوا علىّ كده، حتى لو مش بلسانهم بس بنظراتهم.. بس لو عرفتم أنا ليه عايشة لوحدى هتعذرونى.

ماما ماتت وأنا صغيرة، يعنى وأنا عندى 5 سنين كده. وبابا اتجوز واحدة تانية، توقعت إنها هتكون زى ماما، وإنها هتعوضنى عن الحب والحنان اللى فقدتهم بموت ماما لكنى كنت باحلم وحياتى مع الست دى كانت كابوس! بابا كان بيخرج الصبح يروح الشغل ومايرجعش إلا بالليل، يعنى هى اللى كانت قاعدة بوزى فى بوزها طوووول اليوم. والمصيبة أنها ماكانتش بتشتغل، وعشان كده أنا كنت عكس كل الأطفال باكره الأجازة لأنى هافضل قاعدة فى وشها طول اليوم، لكن أيام الدراسة كان نص اليوم بيعدى فى المدرسة، كنت باشوف أصحابى وبالعب معاهم وباتكلم معاهم. لكن فى الأجازة كنت بافضل قاعدة فى البيت، حابسة نفسى فى الأوضة، برضه لوحدى! يظهر الوحدة دى مكتوبة علىّ من زمان! بالعب بلعبى لوحدى، ماكانش فيه حد أكلمه إلا لعبى، كنت باقعد أفتكر ماما وأعيط… وهى ماكانتش تيجى لى الأوضة إلا لو عاوزانى أساعدها فى حاجة فى البيت أو عاوزانى أنزل أشترى لها حاجة من تحت. وماكانتش أبداً بتنادينى باسمى، كانت دايما تقول لى: يا زفتة، روحى يا زفتة، تعالى يا زفتة.. لدرجة إنى نسيت اسمى! كانت برضه بتفتكرنى فى حالة تانية: قبل ما بابا يرجع من الشغل بنص ساعة كده ألاقيها داخلة علىّ الأوضة وتيجى تشدنى من إيدىّ وتقول لى: يللا يا زفتة قومى أحميكِ عشان أبوكِ يرجع من الشغل يلاقيكِ نظيفة. وبعد ما تحمينى تسرح لى شعرى وتلمه لى ديلين حصان، وتحط لى بارفان وتسيبنى أكمل لعب. عمرها ما كانت بتاخدنى فى حضنها إلا قصاد الناس عشان تبان بس إنها حنينة علىّ. ولما خلفتْ، فرحتُ بالنونو الصغير وقلت أخيراً جالى أخ ألعب معاه بدل ما أنا بالعب لوحدى علطول لكن… لكن للأسف كنت عبيطة لأن معاملتها معايا بقت أسوأ من الأول. طول النهار كانت بتشغلنى فى البيت، وزعيق وشتيمة وتلطيش على الوش لو اتكلمت ولا قلت لأ ولا غلطت فى حاجة.. كنت باحس بالرعب.. خايفة أعمل أى حاجة.. خايفة أغلط.. كان قلبى بيتقطع وأنا شايفة أخويا الصغير بيتعامل معاملة تانية خااااالص غير اللى أنا باتعاملها. طبعا هو كانت علطول بتضحك له، وتلاعبه، وتكلمه بصوت كله حنية وفرحة.. لكن لما تشوفنى أنا بتحول علطول على المحطة التانية! وغصب عنى بقيت أغير من أخويا وأكرهه.

ممكن تسألونى: طب ليه ماكنتيش بتقولى لباباكِ؟ هتستغربوا لما تعرفوا أن بابا كان عمره ما بيسألنى طنط عاملة معاكِ إيه؟ ولا كان عمره بيحس إنى متضايقة أصلاً. هو كان بيرجع من الشغل، يخش علىّ الأوضة ويقول لى ازيك يا سوزى، ويبوسنى ويحضننى حضن بارد وسريع، ويسألنى اتعشيتِ؟ أقول له: أيوه يا بابا، يقوم يطبطب على ظهرى ويقول لى: طيب يلا كملى لعب، ويمشى ويسيبنى. سيناريو فضل يتكرر سنين وسنين. كان نفسى مرة يقعد ويسألنى: عاملة إيه؟ حاسة بإيه؟ كان نفسى مرة ياخدنى وينزل يتمشى معايا، ونقعد نتكلم مع بعض.. أنا كنت صغيرة، مش قادرة أتكلم كده من نفسى، مش قادرة أفهم نفسى، محتاجة حد يسألنى. بس هو كمان كان سايبنى لوحدى.

حتى أخويا الوحيد كان بيكرهنى، كرهته فىّ، وكرهتنى فيه، كتر خيرها! تخيلوا كانت بتقول له: دى عاوزة بابا يموت عشان تاخد فلوسه كلها، وكان لما يبقى عاوز يخرج معايا تقول له: لا، فيسألها: ليه يا ماما؟ فتقول له: أصلها هتسيبك فى الشارع لوحدك والحرامى ييجى ياخدك.

عدت السنين وكبرت وبقى عندى 14 سنة. كنت فى سن محتاجة حد يصاحبنى ويتكلم معايا، حطيت كل همى فى اللبس والماكياج والأغانى والمسلسلات. وفى مرة كده فكرت وقلت لنفسى: هم مش بيقولوا أعز الولد ولد الولد؟ ليه ماروحش أعيش مع جدتى؟ وقلت لبابا.. تخيلوا ماسألنيش ليه؟! ورحت عشت مع جدتى، وأنا متخيلة إنى هالاقى عندها الحنان والحب اللى ماتوا فى حياتى من يوم ما ماما ماتت.. بس للأسف جدتى كان خلقها ضيق وماقدرتش تستحملنى لأنى كنت مناكفة ومتمردة وكأنى كنت باطلع عليها الكبت اللى اتكبته السنين اللى فاتت كلها فى بيت بابا. فكلمت بابا وقالت له: تعالى خد بنتك، دى فى سن المراهقة وطايشة وأنا ست كبيرة ومش أدها أحسن تجيب لى مصيبة، تعالى خدها، البنت فى السن ده محتاجة راجل يشكمها. وفعلا جه بابا أخدنى.

وفى يوم حسيت أنى مش قادرة أعيش فى البيت ده خلاص أكتر من كده، ولاحظت فى الأفلام الأجنبى اللى كنت مدمناها إن الولاد والبنات من سن 16 سنة بيستقلوا بحياتهم، فقلت لنفسى: طب ليه ماعملش كده؟ بس هاقول لبابا إيه؟ ماكنتش عارفة بس كنت عارفة ومتأكدة إن هو ده الحل الوحيد للجحيم اللى أنا كنت عايشاه. صحيح أنا برضه عايشة دلوقت فى جحيم بس يعنى أهون شوية. المهم بدأت أدور على شقق إيجار ولقيت شقة فى وسط البلد اللى باعشقها. ومرة كده رحت وقلت لبابا: بابا، أنا عاوزة أعيش لوحدى. بص لى كده وسكت وسألنى: ليه، حصل حاجة؟ سكت لحظات وسرحت: حصل حاجة؟! أخيراً سألتنى السؤال اللى بقى لى 10 سنين مستنياه؟! هاحكى لك إيه ولا إيه؟! خلاص فات الأوان! وبعدين اتكلمت وقلت له: لأ أبدا مفيش حاجة حصلت، بس أنا كبرت وعاوزة أجرب أستقل بنفسى. سألنى: بس أنت مش هتخافى تقعدى لوحدك؟ طبعاً أنا كنت خايفة بس قلت له: لأ، هاخاف من إيه يعنى؟ فقال لى بمنتهى البرود: طيب يا حبيبتى، مفيش مشكلة. بصراحة كنت هاتجنن. أنا آه كنت عاوزاه يوافق، بس برضه كنت نفسى أحس إنه خايف علىّ، إنى أفرق معاه. ده أنا أصحابى فى الجامعة أبهاتهم بيعملوا لهم مشكلة لو اتأخرت الواحدة منهم شوية بس، مش هو عادى سايبنى أعيش لوحدى! قلت له: طيب، الشقة فى وسط البلد وإيجارها كذا. قام دخل الأوضة وراح جاب لى المبلغ اللى أنا عاوزاه وزيادة عليه شوية وقال لى: تصبحى على خير يا حبيبتى، وربنا يوفقك.

أخدت المبلغ فى فرحة وذهول وصدمة وقلق ومشاعر كتير كده ملخبطة. ماجاليش نوم طول الليل، وقعدت لميت حاجتى كلها، والصبح خرجت من أوضتى بشنطى، وكان بابا وطنط وأخويا قاعدين بيفطروا. قال لى: خلاص ماشية يا حبيبتى؟ قلت له: أيوه. قال لى: كنت عاوز أوصلك بس معلش مش هاقدر عشان ماتأخرش على الشغل، خدى تاكسى، وطلع من جيبه 50 جنيه واداها لى. قربت من بابا أبوسه فباسنى البوسة الباردة وحضنى الحضن البارد اللى اتعودت عليهم طول عمرى، ولسة هاقرب من طنط عشان أبوسها لاقتها بتبعدنى عنها وبتقول لى: أنا عندى برد. فقلت لها: سلامتك. وبعدين قربت من أخويا الوحيد عشان أبوسه راح بعد وشه عنى وهو مكشر وكأنه مش طايقنى. نزلت وأخدت تاكسى ووصلت بيتى الجديد. كنت فرحانة جدا، لأول مرة أحس إنى باتنفس حرية.

معلش أنا عارفة إنى طولت عليكم، أنا هاجرى شوية عشان أنا أخدت أكتر من وقتى. المهم، دخلت الجامعة واتعرفت على زميل لى فى الكلية. أعجبت بيه وارتحت له، وحسيت إن هو كمان بيبادلنى نفس المشاعر دى. لأول مرة فى حياتى بعد سنين طويلة من وفاة ماما، أحس إن فيه حد مهتم بى وأنا مهتمة بيه، إن فيه حد شايف فىّ حاجة حلوة، إن فيه حد بيسأل علىّ لما أغيب من الكلية أو لما أكون عيانة أو متضايقة. كنت باتكلم معاه فى كل حاجة إلا أى حاجة لها علاقة بمرات بابا، أو بإنى عايشة لوحدى. كنت خايفة يعرف فنظرته لى تتغير ويبعد عنى ويسيبنى. كنت مخبية الموضوع ده عن كل زمايلى فى الكلية. المشكلة أن طبيعة كليتنا كانت بتتطلب أننا ناخد شغل ونكمله معانا فى البيت، وكمان كانت بتعتمد على العمل الجماعى، فكنا كل مرة بنتجمع فى بيت حد فينا. وطبعاً لما كان بييجى الدور علىّ كنت باقعد أتحجج بأى حاجة: مرة أصل بابا تعبان، مرة أصلهم فى البيت مسافرين وأنا عند جدتى، أى حاجة. المهم، خلصت السنة الدراسية، كنت زعلانة أوى عشان زميلى اللى باحكى لكم عليه ده هيوحشنى جداً. وفى يوم وأنا نازلة من شقتى وخارجة فوجئت بزميلى نازل قدامى على السلم! وقفنا وسلمنا على بعض، وسألته: أنت بتعمل إيه هنا؟ قال لى أنه جاى يتدرب فى إجازة الصيف فى مكتب هندسى عندنا فى العمارة. نزلنا مع بعض. واحنا خلاص خارجين من العمارة، لقيت البواب بيجرى علىّ وهو ماسك فى إيده ظرف وبينادى: آنسة سوزى، آنسة سوزى.. والد حضرتك عدى من شوية وساب لك الظرف ده وبيقول لك: ينفع كده تقعدى 5 شهور ماتعديش على بابا تسلمى عليه؟!

سمعته وأنا فى ذهول، بصيت له وبصيت لزميلى، وزميلى كان باصص لى فى ذهول وحيرة وكأنه مستنى أشرح له اللى سمعه، والبواب فضل مادد إيده بالظرف وبيبص لى وبيبص لزميلى.. حسيت بالشلل التام للحظات، حسيت إنى عاوزة الأرض تنشق وتبلعنى، قلت فى نفسى: ياريتنى مت قبل ما أشوف اللحظة دى. ادورت وجريت على السلم وأنا منهارة فى العياط…..”

وانهارت سوزى فى البكاء ولم تستطع أن تكمل قصتها، فقدمت لها منة، عضو آخر بمجموعة المساندة النفسية، منديلاً وربتت على كتفها قائلة: “ياااااه يا سوزى، ألبتِ علىّ المواجع” وبدأت تحكى قصتها…