الأُصبُع الكبير

عين × مال × مصالح × جهل

هذا تحليلى المتواضع لما حدث فى إمبابة. تعالوا نتناول هذه العناصر واحداً واحداً:

العين: ألا يقول المثل “العين تفلق الحجر”؟ هذا هو مربط الفرس: هناك أناس “باصين لنا فى الثورة”. هؤلاء الناس هم تحديداً جيراننا (وما أسوأها جيرة!) من الشرق. لماذا؟

* لقد جرب هؤلاء المصريين فى أكتوبر 1973، كما أنهم يعرفون التاريخ الإسلامى جيداً. ويعلمون أنه لو قامت لنا قائمة، فإن فى هذا هلاكهم.. يعلمون أننا بعد ما نفيق لأنفسنا ونرتب البيت من الداخل، فإننا سوف ننتبه إليهم. وهذا هو ما أرعبهم، هذا الرعب الذى ملأ قلوبهم بعد رحيل أصدقائهم من السلطة، والذى ظهر فى تصريحات مسئوليهم من أن الحفاظ على معاهدة السلام مصلحة عليا لمصر،…

* “فرق تسد” هو أسلوب الصهاينة يتبعونه منذ قديم الأزل، ففى المدينة المنورة مثلاً كان اليهود حريصين على تأجيج الحروب بين الأوس والخزرج ليضعفوا الطرفين ويظلوا هم أقوياء. وقد ظلوا يعملون على تأجيج هذه الفتنة حتى بعد دخول الإسلام المدينة. فذات يوم، مر يهودى اسمه شاس بن قيس على مجموعة من الأوس والخزرج كانوا جالسين يتضاحكون ويتحدثون فى ود. فانزعج اليهودى من هذا وقال: “لا والله مالنا إذا اجتمع ملأهم بها من قرار” فأمر شابا من اليهود كان معه قائلاً: “اعمد إليهم فاجلس معهم، ثم ذكرهم بعاث وما كان فيه”. وكان بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج، ففعل فتكلم القوم عند ذلك، فتنازعوا وتفاخروا وكادت أن تقوم بينهم حرب لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إليهم حتى جاءهم فقال: “يا معشر المسلمين، أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم فترجعون إلى ما كنتم عليه كفارا الله الله ” فعرف القوم أنه كيد من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا وعانق بعضهم بعضا.

وهذا ليس تاريخاً فقط، بل هو دأبهم ويدنهم، وشهد شاهد من أهلهم. فقد نشرت الصحف مؤخراً ما ذكره الرئيس السابق للمخابرات الإسرائيلية في حفل توديعه منصبه من أن “إسرائيل” (المزعومة) تصرف ملايين الدولارات لإثارة التوترات الطائفية بين الأقباط والمسلمين في مصر، وأنها نجحت في ذلك.

المال × المصالح: يبدو أن متابعتى لمسلسل “السقوط فى بئر السبع” قد أثرت فى رؤيتى للأحداث. “شفيق” و”نارجس” و”عادل” عملوا لصالح الموساد لأنهم يريدون أن “يعيشوا”، وعندنا فى واقعنا من أمثال أبطال المسلسل الذين يريدون أن “يعيشوا” هم أيضاً، لا فقط بمعنى أن يمتلكوا الكثير من الأموال، بل أضف إليهم الفلول الذين أضيروا بظهور الحق ويشعرون مع كل يوم يمر أن نهايتهم تقترب. وبذلك، التقت مصالحهم مع مصالح الصهاينة ووجد كل منهما عند الآخر الملاذ، وبئس الملاذ! ولكن من الأداة المنفذة لخططهم الشيطانية؟

الجهل: لقد استغل أصحاب المصالح مجموعة كبيرة من الناس لتنفيذ مخططاتهم دون أن يشعروا بذلك، فما مواصفات هؤلاء الناس المستغلين؟

* الحمية للدين (على الجانبين المسلم والمسيحى)، ولكنها للأسف حمية مغلفة بالجهل. هذا الجهل دفعهم إلى الاعتقاد بأنك كلما كرهت الآخر المختلف عنك فى الدين كلما كان ذلك دليلاً على أنك تحب دينك أكثر! هؤلاء غالباً لا يعلمون أن النبى (صلى الله عليه وسلم) جاءه وفد من النصارى فى المدينة، فاستقبلهم بالمسجد النبوى، وسمح لهم بالمبيت فيه، بل وبإقامة صلواتهم داخل المسجد! هؤلاء غالباً لا يعلمون أيضاً أن سيدنا عمرو بن العاص عندما فتح مصر خصص خراج “البحيرة” لترميم الكنائس والأديرة التى كانت على حالة سيئة بسبب الاحتلال الرومانى واضطهاده لأقباط مصر.

* الصفة الثانية لهؤلاء المستغَلين هى أن عقولهم فى آذانهم، وألسنتهم فى آذانهم، وأيديهم وأرجلهم أيضاً فى آذانهم!! إن هؤلاء يدعون حب الدين وحمايته، ولكن ألا يعلمك هذا الدين أن تتفكر فى ما تسمع قبل أن تنقله؟ ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ” (سورة الحجرات، الآية 6). وقد أضحكنى جداً قول واحد من سكان إمبابة عن زوج هذه الفتاة التى يشاع (والله أعلم) أنها أسلمت: “يعنى أنتَ من أسيوط وجاى تعمل لنا فتنة فى إمبابة؟!!” :)))

ومن الممكن أيضاً أن يكون منهم مأجورون لإشعال هذه الفتنة، بعد أن استغل المؤجر سوء حالتهم المادية والاجتماعية والمعيشية.

فهم × تعليم × اقتصاد × عدل

هذا هو رأيى فى لمواجهة الفتنة الطائفية على المدى البعيد. رأيى أن نبدأ من قاعدة الهرم، مركزين جهودنا على آخر فئة من الناس أشرت إليها (أدوات التنفيذ)، الذين يمثلون الكثرة:

فهم صحيح للدين من كلا الطرفين. وهذا متيسر – بفضل الله – لمن يريد من دروس، وكتب، وتسجيلات متوفرة على الإنترنت لعلماء الدين المستنيرين.

تعليم “يُعلِّم” بدلاً من تعليمنا المخروب والمُخَرِّب هذا! تعليم يعلمنا كيف نفكر، ويربينا على تقبل الآخر، ويبصرنا بتاريخنا ويعلمنا كيف نستخلص منه العبر. وإلى أن يمن الله علينا بمن يقوم على أمر التعليم خير قيام، علينا أن نعتمد على أنفسنا فى ذلك (واحنا خلاص اتعودنا على كل حال بعد ما فقدنا الأمل فى تعليمنا الذى أفنينا فيه حوالى 20 سنة من عمرنا!)

اقتصاد قوى يكفل للناس حياة كريمة حتى تكون “عينهم مليانة”. وهنا أحيلكم إلى مقال د. معتز عبد الفتاح المنشور فى جريدة الشروق بعنوان “ثورة اقتصادية غائبة” يوجه فيه رسائل للمواطن المصرى الذى يتساءل كيف أساعد مصر اقتصادياً: http://shorouknews.com/Columns/Column.aspx?id=448624

طبعاً نحن فى هذه المجالات الثلاث نحتاج إلى مجهودات الدولة وإلى العمل المؤسسى حتى يمكن الوصول إلى كل شرائح المجتمع، ولكن علينا ألا ننتظر وأن نبدأ نحن بأنفسنا على الأقل.

عدل: أما أصحاب المصالح الممالئين الخائنين فإنهم سوف يفرون إلى الجحور فى ظل دولة قوية يسير فيها القانون على الجميع دون تمييز.

وأما “جيران الهنا” فهذا عمل مخابراتنا، ولكن الأهم هو أننا إذا أصلحنا من أنفسنا وأحوالنا فى هذه المجالات السابقة فإنه سوف يأتى اليوم الذى يمن الله علينا ببتر هذا “الأصبع الكبير”.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s