إما فاهم أو غير فاهم

“هو فيه قانون مرور بمرجعية إسلامية؟!” هكذا تساءل باستنكار واحد من أشهر مقدمى البرامج الحوارية. وأنا أرى أن طرح هذا السؤال ينم عن أن صاحبه إما فاهم أوغير فاهم. إذا كان غير فاهم فهو يتحدث بغير علم. وإذا كان فاهماً فإن لديه أغراضاً أخرى. ودعونى أشرح لكم لماذا.

يقول الإمام العلامة الدكتور/ يوسف القرضاوى فى كتابه “السياسة الشرعية” أن الشارع الحكيم لم ينص على كل شئ، بل هناك أشياء:

  1. ترك النص عليها مطلقاً، وهى التى تتغير تغيراً كلياً بتغير المكان والزمان والإنسان (وتسمى منطقة العفو)
  2. نص عليها بإجمال دون تفصيل، وهى الأشياء التى تتغير بعض التغير مثل الشورى – يقول تعالى: “ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ” (آل عمران: الآية 159(. فالنص لم يحدد من هم الذين يستشارون؟ وكيف يختارون؟ وفيم تكون مشاورتهم؟ وما الحكم إذا اختلفوا فيما بينهم أو اختلفوا مع ولى الأمر؟
  3. نص عليها بالتفصيل المناسب لها، وهى الأشياء التى تتغير كثيراً بتغير المكان والزمان والإنسان مثل شؤون الأسرة والجرائم الأساسية.

ويطلق على النوعين الأول والثانى من الأشياء: “ما لا نص فيه” وهذه يدخل فيها ما يطلق عليه فى الفقه “المصالح المرسلة”.

والمصلحة هى: المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم وعرضهم وأمنهم وحقوقهم وحرياتهم، وإقامة العدل والتكافل فى أمة نموذجية، وكل ما ييسر عليهم حياتهم، ويرفع الحرج عنهم، ويتمم لهم مكارم الأخلاق، ويهديهم إلى التى هى أقوم فى الآداب والأعراف والنظم والمعاملات.

أمثلة على المصالح المرسلة: توثيق عقد الزواج، قانون المرور، قانون العمل، …الخ.

وبإعادة النظر فى السؤال الذى طرحه الإعلامى الشهير نجد أن سؤاله ينم عن:

* أنه غير فاهم إذا كان يتصور الحكم بالمرجعية الإسلامية أوبالشريعة الإسلامية معناه أن كل شئ فى الحياة لابد أن يكون فيه نص. وهذا غير صحيح كما رأينا.

أو

* أنه قد يكون فاهماً وعالماً أن هناك أشياء لا نصوص فيها وأن مرجعيتها للشريعة الإسلامية إنما هى من باب تحقيق المصلحة.. قد يكون فاهماً هذا ولكنه يريد أن يصدر للناس فكرة أن هؤلاء الذين ينادون بالحكم بالشريعة الإسلامية يقولون كلاماً غير معقول وغير قابل للتطبيق، وبالعقل: “هو فيه قانون مرور بمرجعية إسلامية؟!”

ويمكنك أن تصل إلى هذا الاستنتاج خاصة إذا استمعت إلى السياق الذى تردد فيه هذا السؤال، فقد كان الحوار يتركز على الهجوم على الإسلاميين وتشع منه روح الشماتة فى ضوء التنبوء بالتفكك الداخلى القريب للإسلاميين، وبظهور تيار علمانى قوى وصريح فى مواجهة هذا التيار الإسلامى الذى ينادى بتحكيم شرع الله فى كل شئ.

“قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ”(آل عمران: الآية 118) صدق الله العظيم

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s