رمضان الصدق مع النفس

قبل رمضان بأيام ظللت أفكر وأفكر: ما أهدافك فى رمضان هذا العام يا هدهد؟ وما هى الصفة الأساسية التى ستركزين عليها وتعملين على تغييرها أو اكتسابها؟؟

لم أكن أعرف، ولكنى بدأت أقوم بعصف ذهنى مع نفسى، فكتبت كل ما أرجو تحقيقه، وتركت ما كتبته عدة أيام خلالها شعرت ما هى المساحة فى شخصيتى التى لو ركزت عليها لأحدثت معى فارقاً كبيراً. وكانت هذه المساحة هى الصدق مع النفس.

والحقيقة أننى بدأت السعى نحو هذا الهدف منذ الأيام الأخيرة فى شعبان. ودعونى أقص لكم تجربتى حتى هذه اللحظة لعلها تفيدكم إن شاء الله بشئ ولو بسيط.

فى البداية سألت نفسى: ما هى العلامات التى سوف أستطيع من خلالها أن أقول أننى حققت هدفى؟ وبعد تفكير قليل، توصلت أن الصدق مع النفس ليس هدفاً منتهياً ولكنه عملية مستمرة إلى آخر لحظة فى العمر. إذن ما هى الخطوات التى إذا قمت بها فأستطيع أن أقول أننى أتقدم فى هذه العملية؟

ونويت أن أخصص وقتاً يومياً أجلس فيه بصحبة قلمى وكشكولى لأفكر وأكتب عن نفسى وخواطرى…الخ. وكنت قد حددت فى إحدى جلساتى مع نفسى المناطق التى أشعر أن لدىّ فيها مشكلة حتى أستكشفها فيما بعد فى جلسات لاحقة. وهذا مفيد لأننى أحياناً أجلس وأشعر أننى لا أستطيع أن أجد ما أحدث فيه نفسى وعندها أعود إلى هذه النقاط فأقرأها وأنظر أيها التى تستثير عقلى ليفكر وقلمى ليكتب. ومع ذلك، لم ألتزم بهذه النقاط بالضبط كما هى دون زيادة أو نقصان، حيث كثيراً ما تجد مواقف تستوقفنى وتدفعنى إلى تأملها.

مهم جداً أن أقول لكم أننى وجدت نفسى أحياناً ما تقاومنى كى لا أجلس معها ونفكر، فالصدق مع النفس أحياناً يكون كالدواء مر ولكنه ضرورى للشفاء. ذلك أن نفسك كثيراً ما ستقول لك أشياء لا تحب سماعها ولا تريد معرفتها ولك سنوات وأنت تهرب منها أو تغلفها بأغلفة سميكة حتى لا تراها أو تراها على غير حقيقتها. وكشف هذه الأغلفة التى وضعتها نفسك على مر السنين يحتاج إلى مجهود وصبر ومثابرة.

أحياناً قد تشعر أنك تريد أن تتحدث مع نفسك  فى موضوع معين ولكنك لا تريد (!) فتظل تتحدث معها فى موضوعات أخرى حتى تمل أو يكون عليك أن تقوم لتنجز باقى مهامك اليومية. هذا نوع من الهروب، لهذا يجب أن تكون واعياً لذلك.

أحياناً ستشعر أنك مشتاق لهذه الخلوة، وأحياناً ستشعر أنك تفر منها.. أحياناً ستشعر بالإقبال وأحياناً ستشعر بالقلق… وبعد هذه الخلوة الذاتية، أحياناً سوف تشعر بالحزن أو الضيق وأحياناً ستشعر بالراحة الشديدة وأن حملاً ثقيلاً قد زيح من كاهلك… أحياناً ستشعر بالخوف، وأحياناً ستشعر بالحماس والثقة بالنفس والتفاؤل والرغبة فى التغيير والإنجاز… اعلم هذا حتى تتقبل نفسك على جميع أحوالها وبكل مشاعرها.. حتى تتذكر أنك إنسان تتقلب بين أطياف متنوعة جداً من المشاعر، لا آلة.

أريد أن أخبركم بشئ هام جداً أيضاً وهو أننى أول ما بدأت مع نفسى هذه المصارحة شعرت أننى تائهة ومتلخبطة، تماما كحالك وأنت جالس فى غرفة مليئة بالكراكيب وعليك تنظيمها، وتحديد أى الأشياء يجب تنظيفها، وأيها يجب تصليحها، وأيها لا تصلح لشئ ويجب إلقاؤها…الخ.

فى البداية شعرت بالانزعاج من هذه الحالة النفسية المكركبة، وأننى لا أدرى من أين أبدأ ولسان حالى يقول: “طب أبتدى منين؟ طب أصلح إيه ولا إيه ولا إيه ولا إيه؟” ولكننى بعد وقت ليس بكثير وجدت أننى فعلا قد بدأت اتخذ بعض الخطوات البسيطة للتغيير، وأحياناً كنت أتحدث مع بعض المقربين فيما أشعر به والحقيقة أننى وجدت أن الكلام مع الآخرين مفيد أيضاً وليس مضيعة للوقت، لعدة أسباب:

أولاً: عندما تتكلم بصوت عالٍ وأمام شخص آخر ستجد نفسك أحياناً وأنت تتكلم تكتشف أنك مازلت تحاول إيجاد لنفسك الأعذار وتبرير موقفك!

ثانياً: قد ينبهك الآخرون إلى أشياء لم تلتفت أنت إليها ويمدونك بحلول وآراء لم تخطر ببالك. المهم أن تفتح آذانك وقلبك وعقلك وأن تخلع عباءة الذات الدفاعية التى تأبى إلا أن تريك نفسك فى أجمل صورة حتى ولو كان ذلك كذباً!

قبل أن أختم، أحب أن أخبركم ببعض الأشياء الأخرى البسيطة التى سوف تساعدك على الصدق مع نفسك:

**التزم بالاختلاء بذات يومياً ولو لوقت قليل

**يفضل أن تكتب حتى تكون أكثر تركيزاً وتكون لك الأمور أكثر وضوحاً. هذا من واقع تجربتى، قد تجد أن ما يعمل معك شئ آخر. ولكن حتى تتأكد أنك لا تكتب تكاسلاً، جرب الكتابة عدة أيام وجرب عدم الكتابة وانظر هل هناك فرق فعلاً. ولا تنسَ: كن صادقاً مع نفسك🙂

**اختر المكان المناسب، فأمام التليفزيون ووسط الأسرة ليس مكاناً مناسباً تماماً ولا ظروفاً ملائمة مطلقاً، ولا غرفة ضيقة وغير مرتبة أو ذات إضاءة أو تهوية سيئة هى المكان المناسب كذلك! اختر مكاناً مريحاً لك ودون أن تعقد الأمر كذلك. أنا على سبيل المثال أعشق الجلوس فى البلكونة لأننى أحب الأماكن المفتوحة، ولكنى لا أستطيع أن أعمم ذلك وأجزم بأن الأماكن الطبيعية أو المفتوحة أكثر راحة من المغلقة.

**اختر الوقت المناسب:

# فلا تختلِ بنفسك وأنت متعب وهتموت وتنام، أو وأنت قرفان وزهقان ورخم كده كى لا تسوَّد الدنيا فى وجهك! وفى نفس الوقت مش لازم تكون مزقطط وبتتنطط من الفرحة! الخلاصة: اختر وقت تكون فيه بحالة نفسية وصحية جيدة.

# يدخل فى الوقت المناسب أيضاً ألا تكون متعجلاً، وبالتالى لا يصلح أن تحاول التأمل والتفكير العميق وهناك استغاثات ونداءات عاجلة كى تشارك فى إعداد الإفطار أو تذهب لشراء شئ أو …الخ. كذلك، أعتقد أنه ليس وقتاً مناسباً بطبيعة الحال أن ختلى بنفسك فى الفواصل أثناء البرامج والمسلسلات!!

# هناك أوقات من اليوم تشعر فيها بالراحة والسكينة، الوقت فى حد ذاته مريح لك. فأنا مثلاً أحب جداً الساعة الأخيرة قبل المغرب، الساعة الأخيرة قبل الفجر، بعد الفجر وحتى ما قبل الشروق.

** يمكنك أن تبدأ هذه الخلوة ببعض الذكر وقراءة القرآن والدعاء إلى الله أن ينير بصيرتك ويهديك ويجعلك من الصادقين.

وأخيراً، لا تتعجل التغيير. فليس من الضرورى أن تكاشف نفسك اليوم وتضع الخظة فى الغد وتبدأ التنفيذ بعد غد. الأمور لا تحدث دائماً بهذه السرعة، اصبر على نفسك وترفق بها فإن الرفق ما كان فى شئ إلا زانه ولا نزع من شئ إلا شانه كمات علمنا معلمنا (صلى الله عليه وسلم). إن التغيير أحياناً ما يظل كامناً لا تشعر به، ثم إذ بك تفاجأ أنك قمت بشئ لم تكن تقوم به أو اتخذت خطوة كنت تؤجلها منذ شهور أو سنوات. عندما يحدث ذلك، لا تدعه يمر مرور الكرام ولكن اقفشه وسلط عليه الضوء حتى تحمد الله أولاً على هدايته وعونه وتوفيقه،  وتتعلم من نفسك كيف نجحت فى التغيير، وتشجعها وتثبت لها أنها ذات إرادة قوية وقادرة على التغيير.

معلش حاجة كمان وإن شاء الله تكون أخيراً فعلاً :))) قد يكون جزء من مصارحتك لنفسك أن تصارحها بمميزاتك، قدراتك، إنجازاتك ولا تقلل منها أو تتجاهلها. هذا ضرورى لصحتك نفسية. وأخيراً (فعلاً هذه المرة) قد يفيدك أن تقرأ فى “ميكانيزمات الدفاع” أو Self-defense mechanisms.

11 رمضان 1432 – 11 أغسطس 2011

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s