وحدى مع الآخرين

هل حدث أن جلست ذات يوم مع شخص ما وشعرت أنك لا تريد للوقت أن يمر وللقاء أن ينتهى من فرط استمتاعك بالجلوس معه؟

هكذا شعرت مع كتاب “وحدى مع الآخرين” للأستاذ عبد الوهاب مطاوع – رحمه الله- فبعد أن انتهيت من قراءة الكتاب، شعرت بالسعادة لأننى تمكنت من قراءته كاملاً قبل أن أعيده إلى المكتبة وللمعانى العميقة والأفكار التى أضيفت إلى عقلى ولكنى فى نفس الوقت راودنى شعور بأننى سأفارق شخصاً عزيزاً قضيت معه أوقاتاً ممتعة وبرغبة فى اقتنائه لأنه من الكتب التى تعيد قراءتها أكثر من مرة.

هل تذكر حديث النبى (صلى الله عليه وسلم) الذى يشبه فيه الجليس الصالح بحامل المسك الذى إما أن تبتاع منه أو تشم منه ريحاً طيبة؟ هل فكرت أن هذا الجليس الصالح قد يكون كتاباً مفيداً؟

الكتاب ليس نقلاً لقصص بريد الجمعة ولا خواطر، ولكن قل أنه مزيج بين هذا وذاك، فهو يكتب خواطره مستعيناً بقصص من التى كانت ترد عليه لنشرها ببريد الجمعة أو كتب قرأها أو خبرات مر بها فى الحياة.

وسوف أنقل إليكم بعض النسمات الطيبة التى هبت على سراج عقلى من هذا الكتاب فزادته توهجاً.

***

لقد عرض الكتاب لعدة قصص تتناول العلاقات الزوجية من زوايا مختلفة، منها مثلاً هذه القصة التى لفتت نظرى والتى تحكى عن زوجين كانا يقدمان مع بعضهما يومياً عرضاً مسرحياً، ويختتمان العرض بأن يقدم كل منهما الآخر للجمهور ويقبله فخوراً به ولكنهما فى الحقيقة كانا يفكران فى الانفصال!

قصة أخرى غريبة ومثيرة للشجن والتأمل لزوجين عاشا فى حب ووئام وأجبا أطفالاً ثم إذا بالزوجة تقع فى حب رجل آخر وتخون زوجها، ويعرف الزوج فيطلقها ولكن – لأنها قريبته اليتيمة وأم أولاده – يطلب منها أن يقابل هذا الشاب ليرى مدى جديته، يقول “وتحاملت على نفسى وترفعت فوق آلامى، وبدأت أتحدث معه كما يتحدث الأب مع شاب علم بأنه على علاقة بابنته ويريد أن يطمئن على جديته معها.” وبذل جهوداً عديدة ليتم بينهما ارتباط شرعى لدرجة أنه عرض عليهما أن يشترى لهما شقة ليتزوجا فيها وذهب مع الشاب إلى أهله لإقناعهم بزواج ابنهم من طليقته (!) إلا أن كل هذه المحاولات باءت بالفشل. وأخيراً عادت الزوجة إلى زوجها نادمة تطلب منه العفو وأن يردها إلى عصمته. إنها درجة عالية جداً من الإحساس بالمسؤولية، والقدرة على ضبط النفس والتصرف بحكمة وعقلانية شديدتين.

وهذه زوجة عاد إليها زوجها ذات ليلة مخبراً إياها بقراره أنه سوف يتزوج من امرأة أخرى كان يحبها أيام الجامعة لأنه ضاق بسيطرة أمه ومشاكلها اليومية، حيث كانا يعيشان معها فى نفس المنزل لعدم قدرته على توفير سكن مستقل، أما المرأة التى ينتوى الاقتران بها فلديها شقة فى حى راقٍ وتقبل الزواج منه على زوجته وطفلتيه، وبذلك يستطيع أن يزور زوجته وابنتيه وهو أكثر هدوءاً! حاولت الزوجة إثناء الزوج عن الإقدام على هذه الخطوة ولكنه كان مصراً فتجاوزت آلامها وجلست تكتب تحليلاً عقلانياً موضوعياً للموقف، حيث كتبت مميزات زوجها وعيوبه، ومميزاتها وعيوبها، ثم أسباب رغبة زوجها فى الزواج الثانى وحلولاً لمواجهة كل سبب، ثم النتائج المتوقعة للإصرارعلى الزواج أو التراجع عنه عليها وعلى الطفلتين. وقدمت هذا التحليل لزوجها الذى مازال مصراً على ما فى رأسه! هل من الممكن أن تصل الأنانية بالإنسان إلى هذه الدرجة؟! خشيت وأنا أكتب هذه القصة الآن أن أكون أنانية هكذا وأنا لا أشعر، وأن أتسبب بأنانيتى فى جرح الآخرين. المهم أن الزوجة أرسلت بتحليلها إلى الكاتب الذى قابل الزوج وطلب منه قراءة ما كتبته زوجته مرة أخرى فوعده الزوج بأن يتراجع عن قراره بالزواج الثانى، وهذا ملمح آخر ألا نيأس من الناس، ومن تقديم النصيحة لهم لعلها تحدث أثراً مع الوقت أو تصادف ذات مرة رقة فى قلب المستمع فتحدث مفعولها.

فالناس فى رأى المؤلف ينقسمون فى طلب السعادة إلى قسمين:

*قسم لا يستطيع أن يستشعر السعادة إذا ترتب عليها إشقاء أعزائه فيضحى بسعادته الشخصية لحسابهم.

*قسم لا يحتمل أن يضحى بسعادته لحساب سعادة غيره.

وهنا تدور فى عقلى عدة أسئلة: أليس من الممكن أن يوفق بين سعادته وسعادة الآخرين؟ أم أن الحياة واختياراتها ليست دائماً بهذه البساطة؟ وهل من يضحى بسعادة الآخرين لحساب سعادته الشخصية يستطيع فعلاً أن يتذوق طعم السعادة؟ وهل من يضحى بسعادته لحساب الآخرين يستطيع فعلاً أن يسعدهم، أم أن فاقد الشئ لا يعطيه، أم أن من يفعل ذلك فإن الله يعوضه سعادة من نوع آخر يجد حلاوتها فى قلبه؟

ويتعرض الكاتب لمشكلة أخرى هى الزوج اللعوب، الذى تكشفه زوجته فيعتذر فتصفح عنه، ثم يعود فتكشف الزوجه فيعتذر فتصفح عنه على أمل أن تكون هذه آخر النزوات وهكذا. ويرى الكاتب أن لهذه المشكلة 3 حلول على الزوجة أن تختار من بينها متقبلة أن تدفع الثمن مقابل الحل الذى سوف تختاره:

*إما أن تطلب الانفصال عن زوجها ثأراً لكرمتها، وتتحمل أن يعيش أبناؤها بين أبوين منفصلين.

*وإما أن تصارع ظروفها وتصر على استعادة زوجها وإصلاحه عن طريق الصدام والمطاردة والمواجهة على الأخرى، وهنا ستدفع ثمن ذلك من أعصابها وصحتها وتصبح قصتها مع زوجها سيرة تلوكها الألسنة.

*وإما أن تنفض عن يدها عن زوجها إن حاولت إصلاحه وتأكدت بعد عدة محاولات أنه لا أمل فى ذلك، فتفرغ نفسها لرعاية أبنائها نائية بنفسها عن نطح الصخر.

***

الفهم يؤدى إلى الصفح، لو كنت ماشياً بالشارع واصطدم بك شخص ثم مضى فى طريقه دون أن يعتذر أو يلتفت حتى، فاغتظت وجذبته من ذراعه ووبخته، فعرفت منه أن ابنه قد توفى لتوه وأنه خرج هائماً على وجهه هرباً من جو البيت الحزين. كيف ستتحول معه فى مشاعرك وتصرفاتك؟

لذلك، استمع إلى الآخرين.. استمع بقلبك وأنت مستعد للفهم والتقبل للاختلاف، ومتمثلاً مشاعر الآخر. وعلى الجانب الآخر، تكلم وعبر عن نفسك، ولا تفترض أن الآخرين يفهمونك، ثم لا تكتفى بالكلام ولكن تأكد أن الطرف الآخر فهم ما تقصده فعلاً فكم من مشكلات يمكن منع حدوثها فقط إذا أزيل سوء التفاهم.

***

‎من المعانى التى أعجبتنى جداً واستوقفتنى أن الجمال أو القبح الداخلى ينطبع على وجه صاحبه فيطبعه بطابع سمح أو شيطانى، وهذا ما ثبت من دراسات علم النفس الجسمى. ولهذا قد ترى شخصاً فتشعر بالراحة له وآخر تشعر معه بغير ذلك. “وطابع الشر وطابع السماحة والصفاء كلاهما كالعلامة المائية فى أوراق النقد لا ترى إلا إذا عرضتها للضوء، والضوء هنا هو العشرة والمواقف التى تتبدى فيها معادن البشر.” وقد سئل أرسطو: ما بال الحقود أشد هماً من الآخرين؟ فأجاب: لأنه أخذ نصيبه من هموم الحياة.. وأضاف إليه غمه بسرور الناس!

***

وأختتم هذه بالكلمة للحسن بن على: “من اعتمد على حسن اختيار الله لم يرضَ بغير ما اختاره الله له”

2 responses to “وحدى مع الآخرين

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s