غير المسلمين فى المجتمع الإسلامى

تتعالى الأصوات بعد الثورة منادية بتطبيق الشريعة الإسلامية، بين مخاوف المسلمين (!) وغير المسلمين متصورين أن تطبيق الشريعة يعنى تطبيق الحدود، إبداة غير المسلمين أو إجبارهم على الدخول فى الإسلام، وعند الكثيرين لا يعنى تطبيق الشريعة الإسلامية سوى فرض الجزية على غير المسلمين والتى تعنى – فى نظر البعض – أنهم مواطنون من الدرجة الثانية.

من هنا تأتى أهمية هذا الكتاب القيم الذى يحمل اسم “غير المسلمين فى المجتمع الإسلامى” بقلم الإمام العلامة الدكتور/ يوسف القرضاوى، والصادر عن مكتبة وهبة. يتناول الكتاب حقوق غير المسلمين فى الشريعة الإسلامية والعوامل التى تضمن وفاء المسلمين بهذه الحقوق، وبما أن كل حق يقابله واجب فإنه يتناول بعد ذلك واجبات غير المسلمين. وهو يدعم التناول النظرى بالتطبيقات العملية للنصوص على مدار التاريخ الإسلامى. ولأن الضد يظهر حسنه الضد، فهو يعرض لنصوص وممارسات الشرائع والمذاهب الأخرى مما يؤدى إلى تجلى روعة الشريعة الإسلامية.

أثناء قراءتى للكتاب وبعدها، شعرت بالفخر أن أنتمى إلى دين بهذا الرقى، يحترم الآخر ويوفيه حقه، ولسان حالى يقول: ياليت قومى يعلمون! ياليت قومى المصريين يعلمون ما تنص عليه تلك الشريعة فلا يخافونها.

روح التسامح عند المسلمين

يتحدث الإمام القرضاوى عن روح التسامح عند المسلمين وأساسها الفكرى عندهم، فيقول أن للتسامح الديني والفكري درجات: أدناها أن تدع لمخالفك حرية دينه وعقيدته، ولكن لا تمكنه من ممارسة واجباته الدينية والامتناع مما يعتقد تحريمه عليه. وأعلاها ألا تضيق على المخالفين فيما يعتقدون حله وإن كنت تعتقد أنه حرام في دينك أو مذهبك. وهو ما عليه المسلمون.

ثم يخبرنا أن للتسامح شقين: شقاً يتعلق بالحقوق والواجبات، وهو الذى التى تنظمه القوانين وتشرف على تنفيذه الحكومات. والشق الآخر هو روح السماحة وحُسن المعاشرة التي تحتاج إليها الحياة اليومية، ولا يغني فيها قانون ولا قضاء، وهى روح لا تكاد توجد في غير المجتمع الإسلامي.

ويشير إلى أن الأساس الفكرى لهذه الروح السمحة مرده اعتقاد المسلم بكرامة الإنسان، وأن كل الناس حسابهم إلى الله، وإيمانه بأن الله يأمر بالعدل وحسن الخلق ولو مع المشركين. وتتمثل هذه السماحة فى الكثير من آيات القرآن الكريم مثل قوله تعالى “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم..” (الممتحنة 8). وأحب أن أشير هنا إلى استخدام لفظة “البر” وهو نفس اللفظ الذى استخدم فى شأن التعامل مع الوالدين، فالمسلم مأمور بمعاملة غير المسلم –ما لم يحاربه فى دينه- كما يعامل أباه وأمه.

وتتمثل كذلك فى كثير من أفعال النبى (صلى الله عليه وسلم) منها إرساله إلى أهل مكة مالاً لما قحطوا ليوزع على فقرائهم على الرغم مما قاساه منهم هو وأصحابه، وسماحه لوفد من نصارى نجران بالصلاة فى مسجده (صلى الله عليه وسلم). وعلى هذا النهج سار الصحابة والتابعين، فها هو عمر بن الخطاب يقتله أبو لؤلؤة المجوسى، ثم هو يوصى الخليفة بعده بأهل الذمة خيرًا. ينام على فراش الموت، إذا سقوم لبنا من فمه خرج من بطنه من شدة الجراح، بسبب واحد من أهل الذمة، ثم هو يوصى بهم خيراً ومعروف أن الإنسان وهو على فراش موته يوصى بأغلى وأهم ما له.

حقوق غير المسلمين فى الدولة الإسلامية

أولاً: الحماية من الاعتداء الخارجي

ويكفى أن نذكر هنا هذا الموقف الرائع لابن تيمية، حين أراد القائد التترى “قطلوشاه” إطلاق أسرى المسلمين فقط، فقال شيخ الإسلام: “هم أهل ذمتنا، ولا ندع أسيراً، لا من أهل الذمة، ولا من أهل الملة”

ثانياً: الحماية من الظلم الداخلي

يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “من آذى ذميًا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله” (رواه الطبراني). ولذا كان عمر يسأل الوافدين من الأقاليم عن حال أهل الذمة، خشية أن يكون أحد من المسلمين قد أذاهم. بل وقد صرح بعض فقهاء المسلمين بأن ظلم الذمي أشد من ظلم المسلم إثمًا.

ثالثاً: حماية الدماء والأبدان

يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم): “من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا” (رواه أحمد والبخاري النسائي وابن ماجة). وإذا امتنعوا عن أداء واجباتهم المالية فلا يجوز أكثر من الحبس تأديبًا دون أن يصحب ذلك تعذيب أو أشغال شاقة. هذا فى حين تشدد الإسلام مع المسلمين إن منعوا الزكاة.

رابعاً: حماية الأموال

بلغ من رعاية الإسلام لحرمة أموالهم أنه يحترم ما يعدونه حسب دينهم مالاً وإن لم يكن مالاً في نظر المسلمين، كالخمر والخنزير. ومَن أتلف لمسلم خمرًا أو خنزيرًا لا غرامة عليه ولا تأديب، أما من من أتلفهما على غير المسلم غُرِّمَ قيمتهما.

خامساً: حرية العقيدة

لقد جاء الإسلام يحترم حرية الإنسان فى أن يعتقد ما شاء فى وقت كان يسود العالم اضطهاد المخالفين في المذهب، فضلاً عن الدين(!) حتى أن القرآن جعل من أسباب الإذن في القتال حماية حرية العبادة: “أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْ‌ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ(٣٩) ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ‌ۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَہُم بِبَعۡضٍ۬ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٲمِعُ وَبِيَعٌ۬ وَصَلَوَٲتٌ۬ وَمَسَـٰجِدُ يُذۡڪَرُ فِيہَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ ڪَثِيرً۬ا‌(40)” (الحج).

وفى كتاب “تاريخ شارلكن”: “إن المسلمين وحدهم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم وروح التسامح نحو أتباع الأديان الأخرى”

سادساً: حرية العمل والكسب وتولي وظائف الدولة

لغير المسلمين حرية مزاولة ما يختارون من ألوان النشاط الاقتصادي إلا الربا، وبيع الخمور والخنازير للمسلمين، وفتح الحانات لشرب الخمر وتسهيل تداولها أو إدخالها إلى أمصار المسلمين على وجه الظهور، سدًا لذريعة الفساد وإغلاقًا لباب الفتنة.

ولأهل الذمة الحق في تولى وظائف الدولة كالمسلمين إذا تحققت فيهم الكفاية والأمانة، إلا ما غلب عليه الصبغة الدينية. وقد قال المؤرخ الغربي آدم ميتز: “..فكأن النصارى هم الذين يحكمون المسلمين في بلاد الإسلام والشكوى من تحكيم أهل الذمة في أبشار المسلمين شكوى قديمة”.

ضمانات الوفاء بهذه الحقوق

قد يقول قائل: كلام جميل، ولكن ما الذى يضمن أن تقوم الدولة الإسلامية على إعطاء غير المسلمين حقوقهم كما كفلتها لهم الشريعة؟ وإجابة على هذا التساؤل، يخبرنا الدكتور/ القرضاوى أن هناك ثلاثة ضمانات:

أولاً: ضمان العقيدة:

فالمسلم يحرص على تنفيذ أحكام الشريعة ليرضي ربه، لا يمنعه حب أو كره.

ثانياً: ضمان المجتمع المسلم:

إن المجتمع الإسلامي مسئول بالتضامن عن تنفيذ الشريعة، فإذا انحرف بعض الناس وجد مَن يرده إلى الحق، ويقف مع المظلوم ولو كان غير مسلم حتى وإن لم يشكُ الذمي إلى أحد، أو قد يشكو فيجد مَن يسمعه وينصفه من ظالمه، مهما يكن مركزه. وقصة القبطي مع عمرو بن العاص والي مصر معروفة؛ حيث ضرب ابن عمرو ابن القبطي بالسوط وقال له: أنا ابن الأكرمين! فذهب القبطي إلى الخليفة عمر في المدينة وشكا إليه، فاستدعى الخليفة عمرو بن العاص وابنه، وأعطى السوط لابن القبطي ليضرب ابن عمرو وعمرو نفسه، وكلنا يحفظ كلمته المشهورة: “يا عمرو، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟” المثير للتأمل فى هذه القصة أنه كانت تقع آلاف مثل هذه الحادثة بل وأكبر منها في عهد الرومان، فلا يحرك بها أحد رأسًا، ولكن شعور الفرد بإنسانيته في كنف الدولة الإسلامية جعل المظلوم يتجشم وعثاء السفر من مصر إلى المدينة واثقاً أن حقه لن يضيع.

ثالثاً: ضمان استقلال القضاء:

وهنا أكتفى بإيراد هذه القصة الرائعة: ذات مرة سقطت درع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، فوجدها عند رجل نصراني فاختصما إلى القاضي شريح. قال عليّ: الدرع درعي، ولم أبع ولم أهب .فسأل القاضي ذلك النصراني في ما يقول أمير المؤمنين، فقال النصراني: ما الدرع إلا درعي، وما أمير المؤمنين عندي بكاذب. فالتفت شريح إلى عليّ يسأله: يا أمير المؤمنين، هل لك من بيِّنة؟ فضحك عليّ وقال: أصاب شريح، ما لي بيِّنة. وقضى شريح للنصراني بالدرع، لأنه صاحب اليد عليها، ولم تقم بينة عليّ بخلاف ذلك. فأخذها هذا الرجل ومضى، ولم يمش خطوات، حتى عاد يقول: أما إني أشهد أن هذه أحكام أنبياء! أمير المؤمنين يدينني إلى قاضيه فيقضي لي علي! أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، الدرع درعك يا أمير المؤمنين، اتبعت الجيش وأنت منطلق من صفين، فخرجت من بعيرك الأورق. فقال علي رضي الله عنه: أما إذ أسلمت فهي لك!

واجبات غير المسلمين فى الدولة الإسلامية

تنحصر واجبات المواطنين أهل الذمة في أمور معدودة، هي:

أولاً: الجزية:

هى ضريبة سنوية تجب فقط على كل رجل قادر على حمل السلاح وقادر على دفعها، أما الفقراء فمعفون منها تماماً. والحكمة من إيجابها:

(1)   أن الجهاد فى الإسلام فرض دينى، ولا يعقل أن يقاتل شخص في سبيل دين لا يؤمن به، والغالب أن دين المخالفين لا يسمح لهم بالقتال من أجل دين آخر. ولكن الإسلام فرض على المواطنين غير المسلمين أن يسهموا في نفقات حماية الوطن عن طريق الجزية. وما يؤكد أن الجزية هى مقابل حماية المسلمين لأهل الذمة رد أبو عبيدة بن الجراح الجزية لأهل المدن التى تم فتحها فى الشام حين تتابع عليه الروم ولم يستطع صدهم.

(2)   إشراكهم في نفقات المرافق العامة التي يحتاج الكل إليها، والمسلمون يسهمون في ذلك بالزكاة. وهى نفس علة فرض الضرائب من أي حكومة على رعاياها.

ثانياً: التزام أحكام القانون الإسلامي

لأنهم بمقتضى الذمة أصبحوا يحملون جنسية الدولة الإسلامية، فعليهم أن يتقيدوا بقوانينها التي لا تمس عقائدهم الدينية. وليس عليهم في أحوالهم الشخصية والاجتماعية أن يتنازلوا عما أحله لهم دينهم حتى وإن كان الإسلام يحرمه، أما إذا رضوا بالاحتكام إلى شرع المسلمين في هذه الأمور حكمنا فيهم بحكم الإسلام.

أما فى النواحي المدنية والجنائية ونحوها، فعليهم التقيد بأحكام الإسلام كالمسلمين كالسرقة والزنا والقتل، لأنها أمور مُحرَّمة في ديننا، وقد التزموا حكم الإسلام في ما لا يخالف دينهم. ومثل ذلك المعاملات المالية والمدنية، فكل ما جاز من بيوع المسلمين وعقودهم جاز من بيوع أهل الذمة وعقودهم، والعكس صحيح، إلا الخمر والخنزير عند النصارى كما تقدم ذكره.

ثالثاً: مراعاة شعور المسلمين

كل ما يراه الإسلام منكرًا في حق أبنائه، وهو مباح في دينهم، فعليهم ألا يعلنوا به، ولا يظهروا في صورة المتحدى لجمهور المسلمين، ليعيش المجتمع في وئام. فمثلاً: لا يجوز لهم أن يسبوا الإسلام أو رسوله أو كتابه جهرة، ولا أن يروجوا من العقائد والأفكار ما ينافي عقيدة الدولة ودينها، ما لم يكن ذلك جزءًا من عقيدتهم كالتثليث والصلب عند النصارى. كما عليهم ألا يظهروا الأكل والشرب في نهار رمضان مراعاة لعواطف المسلمين.

الضدُّ يُظهر حسنَه الضدُّ

قد تظن أن ما سبق أمر طبيعى، ولكن لتدرك روعة الشريعة الإسلامية، فلتقارنها بنصوص وممارسات الشرائع والمذاهب الأخرى.

فالمسلمون يكونون أكثرية سكانية ساحقة في بعض جمهوريات روسيا وبعض أقاليم يوغوسلافيا والصين، ومع هذا يمنعون من أداء ما يعتقدون وجوبه كالصلاة والحج والتفقه في الدين وإنشاء المساجد والمعاهد ومن أن يحكموا أنفسهم بشريعتهم. كما ارتكب الشيوعيون في روسيا من الفظائع والمذابح، ما لا يخطر ببال، حتى إن “لينين” يقول لمعاونيه عندما شكوا له كثرة من من ماتوا فى الحروب الأهلية: “ليس للأمر أهمية أبدًا إن مات ثلاثة أرباع الشعب، إن ما يهمنا هو أن يصبح الربع الباقي شيوعياً.”

وكانت غاية المسيحية فى العصور الوسطى إفناء الشعوب غير المسيحية. فحكمت الكنيسة الأسبانية، بعد سقوط الأندلس، بطرد كل يهودي لا يقبل المعمودية، دون أن يأخذ معه ما يمتلك من ذهب وفضة. وتعرض المسلمون لمحاكم التفتيش والحرق أحياء، ونزع أظافرهم، وسمل أعينهم لإكراههم على التنصر.

ولما ظهر مذهب البروتستانت في أوروبا قاومت الكنيسة الكاثوليكية هذا المذهب بكل قوة، ووقعت مذابح رهيبة، من أهمها مذبحة باريس (1572م) التي دعا فيها الكاثوليك البروتستانت للبحث في تقرب بين وجهات النظر، فسطا المضيفون على ضيوفهم ليلاً فقتلوهم وهم نيام ! والعجيب أن البروتستانت لما قويت شوكتهم، قاموا بدور القسوة نفسه مع الكاثوليك، فقد قال “لوثر” لأتباعه: “من استطاع منكم فليقتل، فليخنق، فليذبح، سرًا أو علانية، اقتلوا واخنقوا، واذبحوا، ما طاب لكم، هؤلاء الفلاحين الثائرين”.

هذه الفظائع التي قام بها المسيحيون ضد خصومهم تجد لها سندًا في التوراة التي تقول في شأن هؤلاء الخصوم: “اهدموا معابدهم، واقذفوا أعمدتها إلى النار، واحرقوا جميع صورها”. كما توصى التوراة بتحريق المدن بعد فتحها، وقتل كل من فيها حتى الأطفال!

وختاماً… لسنا مع التعصب ولا مع تمييع الأديان بدعوى التسامح. فليس من التسامح أن يجمد المسلم أحكام دينه من أجل الأقليات غير المسلمة. ولا يوجد ما يقلق غير المسلم من أحكام الشريعة، فالمسلم يتلقاها كدين، وغيره يأخذها كقانون دولة ارتضته أغلبيتها. وليس من التسامح كذلك إذابة الفوارق بين الأديان. فالتسامح يجب أن يقوم على العدل وحب الخير مع الكل، وهذا ما ينتهجه الإسلام.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s