قصة تونس

تونس هى أولى حبات عقد الثورات العربية الذى هذا العام. وقد يثير ذلك فضولنا للتعرف على هذا البلد الشقيق وعلى الأوضاع التى أشعلت الثورة فيه، وذلك من خلال عرض كتاب “قصة تونس: من البداية إلى ثورة 2011” للدكتور/ راغب السرجانى، والصادر عن دار أقلام عام 2011.

الكتاب يعرض لتاريخ تونس فى العصور المختلفة منذ ما قبل الفتح الإسلامى مروراً بزمن الفتح، ثم الاحتلال الفرنسى والاستقلال منه، ثم فترة حكم زين العابدين بن على وما فيها من فساد وانحلال، ثم يتعرض لإرهاصات الثورة وأحداثها والدروس المستفادة منها.

الكتاب يجعلك تشعر بنوع من الاندهاش الحزين لما وصلت إليه الأوضاع فى بلد إسلامى.

دعونا نبدأ..

لمحة تاريخية

تقع الجمهورية التونسية فى منتصف الطريق بين مضيق جبل طارق وقناة السويس. لعبت أدواراً مهمة على امتداد تاريخها منذ عهد الفينيقيين وزمن الحكم الرومانى لها.

الفتوحات الإسلامية: بدأت العمليات الاستطلاعية الأولى لتونس منذ عهد خلافة ذى النورين، سيدنا عثمان بن عفان (رضى الله عنه وأرضاه)، ثم فتحها المسلمون فى القرن السابع الميلادى بقيادة “حسان بن النعمان” الذى قام بإدخال البربر بشكل منظم فى الجيش مما سهل عملية اندماجهم مع العرب فى إطار الإسلام. وقد أسس الفاتحون المسلمون بها مدينة القيروان التى كانت قاعدة الانتشار نحو بقية بلاد المغرب ونحو الأندلس. كما أنها إحدى المدن الهامة بتونس حتى الآن.

وقد خضعت تونس للحكم العبيدى (المعروف زوراً بالفاطمى) مدة 64 سنة، ثم انضمت للدولة العثمانية عام 1574م، ثم وقعت تحت الاحتلال الفرنسى عام 1881م حيث تذرعت فرنسا بهجوم بعض القبائل التونسية على الحدود مع الجزائر (التى كانت فرنسا قد احتلتها قبل تونس) لتتدخل عسكرياً فى البلاد التونسية.

الاحتلال الفرنسى لتونس

لم تكتفِ فرنسا بالسيطرة على شئون البلاد ومواردها بل أرادت أن تجعلها منطقة ينتقل إليها الفرنسيون للإقامة والاستيطان، ولذلك اتبعت بعض السياسات التى تحقق لها هذا الهدف:

1- السماح لمن يريد من التونسيين بالتخلى عن جنسيته التونسية والحصول على الجنسية الفرنسية.

2- توظيف الفرنسيين فى الوظائف الهامة ومنحهم علاوات مختلفة.

3- تمكين المستعمرين الفرنسيين من تملك الأراضى التى باعتها لهم بأسعار بخسة.

4- جعل موارد الاقتصاد التونسى (الصناعات الرئيسية، التجارة، وسائل المواصلات) حكراً على الفرنسيين.

5- محاربة التعليم الأهلى، وصبغ التعليم الرسمى بالصبغة الفرنسية وحرمان التونسيين من التعليم، حيث كان التعليم 4 أنواع:

  • التعليم الرسمى: كان مقتصراً على المستعمرين وأبناء الجاليات الأجنبية ولم يسمح به للتونسيين إلا بشكل محدود جداً.
  • التعليم الأهلى الوطنى الحديث: كان تحت إشراف الأحزاب الوطنية، وكانت مهمته الحفاظ على الهوية الوطنية واللغة العربية. وقد ترك دون عون مالى، وكان يتعرض للمحاربة المستمرة.
  • التعليم التبشيري: لتحويل المسلمين عن دينهم ونشر المسيحية.
  • الكتاتيب: ساعدت فى الحفاظ على التراث الثقافى واللغة العربية على الرغم من إطارها الغير متطور.

6- القضاء على اللغة العربية والشخصية الوطنية من خلال إصدار قوانين تطالب بالآتى:

  • اقتصار التعليم على حفظ القرآن الكريم
  • عدم التعرض لتفسير الآيات التى تدعو إلى التحرر
  • عدم دراسة الأدب العربى، والتاريخ العربى، والإسلامى والوطنى، وجغرافية تونس والأقطار العربية الأخرى

إعلان الجمهورية فى تونس

رغم القمع الدموى لأى بادرة مقاومة ضد الاحتلال، ورغم نهب ثروات البلاد عياناً بياناً، ورغم محاولات إذابة هوية الشعب إلا أن تونس تمكنت من الاستقلال وإعلان الجمهورية عام 1957.

وكان الحبيب بورقيبة أبرز المناضلين من أجل استقلال تونس، تعرض للنفى، والسجن والاعتقال. وتم اختياره أول رئيس للجمهورية التونسية ، وقد أعيد انتخابه مرة بعد أخرى حتى استنفد دوراته القانونية فى الحكم إلى أن نودى به رئيساً مدى الحياة.

بورقيبة وتغييب الإسلام فى تونس

بعد أن استقلت تونس تولى حكمها رجل علمانى مفتون بفرنسا هو الحبيب بورقيبة، الذى نذر نفسه للقضاء على هوية تونس الإسلامية، من خلال سياسات وقوانين تؤدى هذا الغرض:

1- تغيير مناهج التربية الإسلامية والتشكيك فى كل شئ حتى في ما هو معلوم من الدين بالضرورة كالأنبياء، والقرآن والملائكة …الخ، مع دراسة التوراة والإنجيل بدعوى الانفتاح على الثقافات والديانات الأخرى فى الوقت الذى يتم إضعاف الهوية الإسلامية والتشكيك فيها بشكل متعمد!

2- استبعاد الموضوعات الشرعية والفكرية الإسلامية المتعلقة بالحكم والسياسة.

3- تدريس اللغة العبرية فى بعض الجامعات.

4- منع ارتداء الحجاب باعتباره زياً طائفياً يفرق بين أفراد المجتمع (الذى يشكل المسلمون 98% منه، فأى تفرقة هذه! وأى طائفية هذه!) حتى أن بورقيبة بنفسه نزل الشارع ذات يوم ونزع بيديه الحجاب عن المرأة التونسية! ومنع المحجبات من الجامعات، والولادة فى المستشفيات الحكومية، وتعرض الأزواج والآباء للمساءلة فى حالة وجود محجبة فى بيوتهم! بل وصل الأمر إلى توزيع منشور على أئمة المساجد يحثهم على تشجيع المرأة التونسية على خلع الحجاب!

5- تسهيل الاختلاط السافر بين الشباب والفتيات، وتسهيل فتح البارات، وتعميم نوادى الرقص المختلط وتشجيع الشباب والفتيات على ارتيادها وترهيب أوليائهم من مغبة التصدى لهم!

6- فتح مدن جامعية مختلطة!!!

7- تشجيع الصهينة والتهويد والتطبيع القهرى فى التعليم، والثقافة، والتشريع والإعلام!

8- إباحة التبنى الذي يحرمه الإسلام.

9- منع الزوج من العودة إلى مطلقته التى طلقها ثلاثاً بعد أن تتزوج من غيره وتُطلَّق منه.

10- منع الزوج من تطليق زوجته إلا بإذن القضاء.

11- المصادقة على اتفاقية نيويورك التى تجعل من حق المرأة أن تتزوج من أى رجل دون اعتبار للدين.

12- الدعوة إلى منع الصوم حتى فى رمضان باعتباره يقلل الإنتاجية!

13- جعل الأحد يوم العطلة الأسبوعية. وتقسيم المساجد إلى قسمين: قسم يؤدى صلاة الجمعة فى أول وقت الظهر، وقسم يؤخرها إلى ما قبل صلاة العصر بنصف ساعة، وجميع الخطب تأتى مكتوبة ولا يجوز الخروج عنها وكانت فى موضوعات عامة كتنشيط السياحة الداخلية، وعدم قطف الأزهار، والالتزام بقواعد المرور!

14- إغلاق جامع الزينونة، أعرق جامعة إسلامية وحظر تدريس العلوم الشرعية فيه.

15- حل كل الأوقاف الموقوفة على جامع الزيتونة وطلابه وعلمائه وعلى غيره من المساجد والمؤسسات الخيرية، وتحويل بعض المساجد الصغيرة إلى مخازن!

16- حظر الدروس والحلقات القرآنية فى المساجد، وفتح المساجد 20 دقيقة فقط عند كل صلاة، وتتولى الشرطة طرد المصلين من المساجد إذا تجاوزوا الفترة المحددة!

17-  إلغاء القوامة باعتبارها إهانة للمرأة، وإصدار قانون الحد من السلطة الأبوية.

18-  إعدام الزوج الذى يضبط زوجته متلبسة بالزنا إذا دفعته غيرته فقتل الزانى أثناء خيانته فى بيته!

19-  اعتبار الشاب الذى يصلى فى المسجد بانتظام إرهابيا!

20-  إشاعة السحر والشعوذة  بمنح التصاريح بفتح مكاتب الكهان والسحرة ونشر إعلاناتهم فى الصحف والدوريات!

ووصل الأمر ببورقيبة إلى اتهام القرآن بأن به خرافات ومتناقضات، والتحدث عن النبي بشكل لا يليق، حتى أن علماء المسلمين فى عدة دول طلبوا منه التوبة والرجوع إلى الإسلام، ولكنه أصر على ما قاله.

ومع تردى صحة بورقيبة، قام زين العابدين بن على – المدير العام للأمن آنذاك – بتنحيته عام 1987 وإعلان نفسه رئيساً للجمهورية. فكيف كانت سياسة زين العابدين؟

زين العابدين بن على رئيساً لتونس

اتسم عهد بن على بالديمقراطية الزائفة التى كانت حكراً على الحزب الحاكم. وغنى عن البيان أن الانتخابات والاستفتاءات لم تكن نزيهة، وبعد انتخاب زين العابدين لثلاث مدد رئاسية أجرى تعديلاً على الدستور مكنه من الترشح لفترة رئاسية جديدة.

وقد استمر على نهج بورقيبة فى محاربة الإسلام حيث:

1- تم وضع حظر إلكترونى على مواقع الإنترنت الإسلامية الواعية، وبعض الفضائيات وزيارات بعض العلماء والشيوخ.

2- استمر فى محاربة الحجاب حتى أن الكثير من العائلات التونسية كانت تهاجر من تونس إلى أوروبا وأمريكا عندما تكبر بناتها حتى تجد البنت وسطاً تستطيع فيه أن تلبس الحجاب! ومن صور محاربة الحجاب فى عهده:

  • مداهمة قوات الشرطة لمحلات لعب الأطفال التى تبيع الدمية “فلة” لأنها محجبة!
  • إصدار وزير التربية قراراً عام 2006 بوقف إحدى لمدرسات عن التدريس 3 أشهر مع وقف مرتبها بسبب ارتدائها للحجاب داخل المدرسة، ولكن القضاء التونسى أبطل القرار الحمد لله.
  • خلو الكتب المدرسية من صورة أية امرأة محجبة.

3- ترشيد الصلاة فى المساجد!

  • تسلم وزارة الداخلية كل من يتقدم بطلب بطاقة مغناطيسية  تمكنه من ارتياد أقرب مسجد لبيته أو عمله، ولن يسمح له بغيرها من المساجد. كما أوجب وزير الداخلية ضرورة التقدم بطلب بطاقة خاصة لأداء صلاة الجمعة!
  • وشدد على أئمة المساجد التأكد من حمل كل مصلى لبطاقته، وطرد كل من لا يحمل البطاقة أو من يحمل بطاقة بها اسم مسجد آخر غير الذى يصلى فيه.

نتيجة لكل ما سبق، انتشر الفساد والانحلال فى المجتمع:

  • إحدى الدراسات أشارت إلى موافقة حوالى 12% من الفتيات التونسيات و40% من الشباب التونسيين على ممارسة الجنس قبل الزواج!
  • وأشارت إحدى الإحصائيات عام 2007 إلى أن 18% من الزوجات التونسيات و60% من الأزواج التونسيين (فى المرحلة العمرية بين 18 و29 سنة) لهم علاقات غير شرعية خارج إطار الزواج!
  • كما ارتفعت نسبة العزوبية بشكل مبالغ فيه حتى وصلت إلى 65% بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و29 سنة عام 2006.

ثورة تونس والدروس المستفادة منها

كان هذا التجبر والاستكبار وهذه المحاولات لخداع الشعب التونسى من العوامل التى أدت إلى التعجيل بهلاك الطاغية وهو ما حدث فى ثورة يناير 2011، والتى سوف أتجاوز أحداثها التى نعرفها جميعاً لأشير إلى بعض الدروس المستفادة منها. ولكن قبل ذلك أحب أن أسجل بعض الملاحظات التى استوقفتنى:

  • تقوى النظم الاستبدادية الشرطة ربما أكثر من الجيش وكأن الشعب أخطر من العدو الخارجى! ففى مصر مثلاً، بلغت قوة الشرطة (قبل الثورة) أكثر من مليون فرد بينما الجيش لا يتجاوز النصف مليون (400 ألف). كذلك
  • تلجأ النظم الاستبدادية تقريباً إلى نفس الوسائل لمواجهة ثورات الشعوب كالإصلاحات الشكلية المحدودة، والتعتيم الإعلامى، وإطلاق الرصاص الحى على المتظاهرين دون أن يتعلموا من التجارب الأخرى وكأن الله ينزل على المستبد غباء يعجل بنهايته.
  • كما لاحظت أيضاً اشتراك هذه الأنظمة الفاسدة فى محاربة الإسلام والتعاون مع العدو الصهيونى.

والآن فمع بعض الوقفات مع الدروس المستفادة من ثورة تونس:

1- الظالمون ضعفاء مهما بدوا أقوياء، فكلما زادت الحراسة على شخص كلما دل ذلك على ضعفه وخوفه، ومصدر ضعفهم هو أنه ليس لهم مدد لا من الله ولا من شعوبهم.

2- التغيير يأتى دائماً من حيث لا نحتسب حتى لا ينسب أحد النصر إلى نفسه، بل إلى الله، وحتى يبقى الأمل حياً فى نفوس المظلومين فلا يجزعوا حين توصد فى وجوههم الأبواب.

3- الأنظمة الفاسدة يبيع بعضها بعضا بكل سهولة، فعل ذلك زين العابدين مع معاونيه عندما فر بأسرته وكذلك فعل معه الحكام الفاسدون الذين أعلنوا احترامهم لإرادة الشعب التونسى!

4- إهدار كرامة الإنسان وتقييد حريته هى من أقوى الأسباب التى تدفع الناس إلى الثورات، فلم تكن الحالة المادية فى تونس متردية مقارنة بغيرها من الدول، كذلك على الرغم ما بها من فساد إلا أنها كانت أحسن حالاً بكثير من غيرها من الدول العربية. ولكن النظام التونسى كان من أكثر الأنظمة إهداراً لكرامة الإنسان وتقييداً لحريته.

5- باعت أمريكا وفرنسا زين العابدين بكل سهولة لأنه كبر فى السن وبدأت قبضته الأمنية على البلاد تضعف، وبالتالى قد تنمو تيارات إصلاحية منظمة داخل تونس وهو ما يصب فى غير

مصلحتيهما.

6- لا يجوز تمجيد الشاب المنتحر واعتباره بطلاً فالانتحار فعل مذموم شرعا.ً

7- رفض استضافة السعودية لزين “الهاربين” فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيما رواه مسلم: “لعن الله من آوى محدثاً” وقد فعل بن على الكثير والكثير من تسفيه الشرع، إلى نهب البلاد، إلى قتل الشعب. فهل تجوز إجارته؟ وكيف يخافون على مشاعره ولا ينظرون إلى مشاعر عشرة ملايين تونسى وأكثر من مليار مسلم يمقتون هذا الطاغية؟

هذه الصورة القاتمة لتونس منذ الاحتلال الفرنسى وحتى انتهاء حكم بن على من نحاربة الإسلام بهذه الصورة الفجة دفعتنى إلى التساؤل عن الأسباب التى أوصلتهم إلى هذا الحال؟ هل هو الابتعاد عن دين الله فكانت النتيجة هى الحرمان من هذه النعمة لمن لا يقدرها حق قدرها؟ على أى حال، أريد أن أختم بهذه الكلمة الباعثة على الأمل للدكتور/ راغب السرجانى: “إن زيادة الاضطهاد كثيراً ما يفجر طاقات الإيمان فى القلوب، الإسلام جذوة فى قلوب المؤمنين قد تضعف أحياناً ولكنها أبداً لا تنطفئ”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s