افتح قلبك

افتح قلبك وفتش داخله عن نفسك… افتح قلبك وفتش داخله عن الحب لنفسك، للناس، لله… افتح قلبك وتصالح مع أحزانك…

التصالح مع الماضى

يقول الأستاذ عبد الوهاب مطاوع – رحمه الله – فى كتابه “افتح قلبك” الصادر عن دار الشروق: “وبنعمة النسيان تتحول الجروح الأليمة تدريجياً إلى جروح أليفة يمكن احتمال آلامها.. ثم تتحول إلى ندوب لا تؤلم، لكن أثرها لا يزول.”

حين نمر فى حياتنا بتجربة مؤلمة، يكون الأمر صعباً فى البداية فنجد أننا لا نحب تذكرها – وإن كنا لم ننسَها حتى نتذكرها – ولا نحب التحدث عنها، وإذا حدث وتكلمنا عنها فإننا نفعل ذلك بحساسية شديدة، وعندما نفكر فيها نشعر بالخزى.

عندما نتصالح مع أنفسنا ومع ماضينا، تتغير هذه المشاعر. فما معنى أن نتصالح مع ماضينا؟ فى رأيى أنه يعنى أن نسامح أنفسنا على ما اقترقناه والآخرين على ما ارتكبوه فى حقنا من أخطاء، وأن نسعى إلى تصحيح هذه الأخطاء التى ارتكبناها فى حق أنفسنا أو الآخرين. كما يعنى التصالح مع الماضى أن نستمع إلى ما تريد تجاربنا أن تقوله وتعلمه لنا، ثم ندعها تذهب لحالها. حينها ستجد أنك أكثر انفتاحاً لاسترجاع هذه التجارب فى ذاكرتك، وتأملها لتعلم المزيد منها، وأكثر أريحية عند التحدث حولها دون شعور بالخزى أو الحساسية. نعم، قد تجد بداخلك بعض الشجن أو الحزن لما فعله بك البعض، والندم على بعض ما فعلت.. ولكنها ستكون حينئذٍ مشاعر طبيعية لا تعنى سوى أنك إنسان تتقلب بين الفرح والألم، ولن تعود مؤثرة بشكل سلبى على أفكارك وأفعالك. الأكثر من ذلك أنك عندما تتصالح مع ماضيك، فإنك لن تتحرر من آلامه فحسب ولكنك سوف تفاجَأ أن بداخلك شعوراً بالامتنان لهذه التجارب التى علمتك فى شهور الكثير والكثير الذى ربما كنت تحتاج إلى سنوات لتتعلمه.

***

سفير الحب

تأثرت جداً بقصة هذا الرجل الذى كان وكيل وزارة أسبق، وبعد أن أحيل إلى المعاش وكبر أبناؤه وسافروا وأصبح لكل منهم حياته، غدا الرجل يعيش وحيداً بشقته، ويقول فيما قال: “وتمضى الأيام طويلة لا أسمع فى الشقة صوتاً إلا صوتى أنا حين أؤدى الصلاة أو أرتل بعض آيات القرآن، وصوت التليفزيون الذى لست من هواته وصوت مذيع الأخبار فى الراديو الذى لست أيضاً من هواته” ثم يواصل قائلاً: “وكل ما أريده هو أن أجد إقامة مشتركة مع أسرة بالأسكندرية فى حدود إمكاناتى المالية، لكى أعيش مع أناس طيبين أتبادل معهم تحية الصباح.. وأتمنى لهم نوماً هادئاً فى المساء ونتجاذب معاً من حين لآخر أطراف الحديث عن الحياة والأسعار وزحام المرور..الخ فلقد كدت أنسى الكلام يا سيدى من قلة حديثى مع الآخرين”

كم هو ضعيف و”غلبان” هذا الإنسان! فهو لا يستطيع أن يستغنى بنفسه، لا يستطيع أن ينعزل عن إخوانه من بنى البشر مهما اشتكى منهم، بل يحتاج إليهم ليأتنس بهم، ويتقوى بهم، يواسيهم ويواسونه، يشاركهم فرحتهم ويشاركونه فرحته، يهتم بهم ويهتمون به… أقل كلمة حب أو تقدير أو تعاطف بوسعها أن ترفع معنوياته وتغير حالته النفسية تماماً، وحاجته لا تقتصر على من يساعده بل إلى من يحتاجون إليه أيضاً. هذه المشاعر يحتاج إليها حتى الأنبياء وخير مثال على ذلك موقف السيدة خديجة عندما أتاها النبى (صلى الله عليه وسلم) مرتجفاً عند نزول الوحى عليه لأول مرة، وطمأنتها له بإجلاسه على حجرها وبتأكيدها على أن الله لن يخذله أبداً معددة له أعمال الخير التى اعتاد القيام بها.

والإنسان قد يشعر بالوحدة إذا حرمته ظروف حياته حتى من زحام البشر العاديين الذين تضطره إليهم التعاملات اليومية. وقد يشعر بالوحدة إذا لم يجد من يستطيع معه أن يكون نفسه دون أى أقنعة، أن يصرح له بأفكاره ويكشف أمامه مشاعره دون أن يخشى رفضاً لشخصه بسبب ما يقول أو يشعر أو يفكر. وهذه العلاقات الحميمة لا تغنى عنها العلاقات السطحية الأخرى مهما كثرت، لذا يقول الأحنف بن قيس:

إنى لأفتح عينى حين أفتحها

على كثير ولكن لا أرى أحداً

ولكى تحافظ على هذه العلاقات يانعة فعليك أن ترويها بالحب، والاهتمام سفير الحب. جزء مهم جدا من هذا الاهتمام هو الحرص على أداء الواجبات الاجتماعية، كما أن هذا الاهتمام يمكن التعبير عنه بلفتات بسيطة ولكنها مهمة فى الحفاظ على وهج الحب مشتعلاً، فالحب كلهيب المدفأة يحتاج لكى يظل يتراقص أن تلقى فيه من حين لآخر بوقود، وكلما كان الحب قوياً وصادقاً كلما ارتفع لهيبه وتراقص مع أقل بادرة صغيرة تلقى إليه. وقد سئل أحد القضاة الأمريكيين بعد انتهاء خدمته عن أهم أسباب الطلاق فذكر نسيان هذه اللفتات الصغيرة مما يؤدى ذلك إلى فتور المشاعر ثم وقوع المشاكل ثم الطلاق.

فالحب (بكل أنواعه) لا يموت بالسكتة القلبية وإنما بالجوع العاطفى الطويل كما قد يموت الشاب القوى بعد فترة من الضعف والهزال إذا أضرب عن الماء والطعام لأيام طوال. والحب الحقيقى لا يتآكل بل يتعملق مع الوقت وإن اختلفت طريقة التعبير عنه من مرحلة إلى أخرى، ولكنه كالأزهار يحتاج أن يروى كى لا يذبل وكى لا يجد الإنسان نفسه وحيدا فى الحياة محروما من جنة الصداقة والمشاعر الإنسانية. فكل إنسان وحيد يعيش شتاء أحزانه ولو كان فى شرخ الشباب ويصبح كالنسور التى تموت فوق قمم الجبال الموحشة الباردة.

ولو أدركنا ذلك وفهمناه لما جحد واحد منا أهلاً، ولا باعد صديقاً، ولا قطع رحماً، ولا أضاع عشرة عمر، ولا تشاغل ولا أضاع يوماً بغير أن يعمل على اكتساب صديق جديد قد يصبح ذات يوم درعه ضد الوحدة والاغتراب النفسى وأحزان الشتاء. ولكن من يفهم قبل فوات الأوان؟؟

***

الحب بالصدمة الأولى!

هى طالبة بالجامعة، ذهبت إلى المكتبة لتصوير أوراق، فكان العامل الشاب متجهماً يأخذ منها ويناولها دون أى أن ينطق لسانه بكلمة أو ترتسم على وجهه ابتسامة. شعرت بالضيق الشديد لذلك وتحملته عدة مرات، ولكنها فى مرة انفجرت فيه غاضبة، فاحمر وجه الشاب خجلاً، واعتذر شارحاً لها أنه يدرس بكلية الهندسة، ويساعد نفسه بالعمل فى المكتبة من الثانية ظهرا حتى العاشرة مساء ثم يقضى الليل يذاكر، وبالتالى لا ينال قسطاً كافياً من النوم، وقد يكون هذا هو السبب فى تعامله بهذه الطريقة التى لم يقصدها مطلقاً. شعرت بالخجل من نفسها واعتذرت له. وقد قدر لهما أن يتزوجا.

وهذه طالبة أخرى اكتشفت من معاشرتها لزوجها أن عجرفته قشة تخفى وراءها إنسانا رقيقا طيبا وأنه يستدعيها فقط عند اللزوم وعندما يستدعى الموقف. هذا الزوج كان أستاذها فى الكلية، وقد بدأت العلاقة بينهما بتوبيخ منه لها أمام كل زملائها فى المدرج على تأخرها واغترارها بنفسها واهتمامها الزائد بمظهرها. وتطورت العلاقة بينهما حتى تقدم إليها وتزوجته.

هاتان القصتان تعلماننا ألا نتسرع فى الحكم على الناس، فلنعطِ أنفسنا الفرصة أن نعرفهم عن قرب لنفهم وجهات نظرهم ودوافع سلوكهم، ونتعرف على ظروفهم. فقد تتبدل مشاعرنا حينئذٍ من الكره والغيظ إلى الحب والإشفاق. وقد سئل رجل دين فرنسى قضى 15 عاماً فى الاستماع إلى مشاكل وهموم الناس عما تعلمه من اعترافات البشر فقال: تعلمت أن الناس أتعس كثيراً مما نظن.

كما تثير القصتان سؤالاً لعله دار فى ذهنك وهو: لماذا تكون بداية الحب أحياناً مخالفة للبداية التقليدية؟

ويجيب الأستاذ مطاوع – رحمه الله – على هذا السؤال بأن بداية العلاقة تكون استثارة اهتمامنا بالطرف الآخر لنهتم به هو دوناً عن باقى البشر. وإثارة هذا الاهتمام قد يحدث بالطريقة التقليدية حيث تتراكم المشاعر نحو الطرف الآخر من خلال الاحتكاك به والتعرف عليه. وقد يحدث بطريقة غير تقليدية، وهما طريقتان:

  1. الطوفان: أى الاهتمام من أول نظرة والذى يفتح الطريق للحب الذى يتمكن من القلوب على مهل، والحب البطئ الذى ينضج على نار هادئة أفضل من الذى يلتهب سريعاً ويخمد سريعاً.
  2. الصدمة الأولى: وهو كما فى قصتينا حيث كانت البداية بمواقف صدامية ومشاعر سلبية تحولت إلى مشاعر حب.

***

زواج العقل أم القلب

هل تتزوج من تحب أم تحب من تتزوج؟ وكيف تعرف أنك تحب شخصاً ما؟ وهل الحب قدر أم اختيار؟

تختلف الآراء وتتعدد فى الإجابة على التساؤلات السابقة، ويعرف الكاتب الحب بأن تسعد بقرب إنسان إذا اقترب منك وأن تفتقده إذا غاب عنك. ويرى أن الحب قدر يتسلل إلى الإنسان بغير إرادة إلى أن يتمكن منه ويعترف به لنفسه.

ويرى أن زواج الحب الذى لا يخاصم العقل هو أنجح أنواع الزواج. فأحكام القلب قد لا تصمد أمام مراجعة العقل فيتخلى القلب عن أحكامه، وزواج العقل قد لا يعرف معنى السعادة اللاذعة التى يعرفها زواج الحب ولو كان عمره أقصر. ولذلك:

  • فإن أفضل السبل لتجنب اعتراضات العقل هو تقارب المستوى الفكرى والثقافى والاجتماعى بين الزوجين، أما التكافؤ المادى فليس شرطاً أساسياً فى رأى الكاتب.
  • يكفى ألا ينفر القلب حتى لو لم يحمل فى البداية حبا لمن اختاره، فهذا القبول قد يمهد الطريق لاشتعال شرارة الحب.

***

الصغير ليس دائماً صغيراً!

يقول الكاتب: “الأشياء الصغيرة قد تؤدى إلى معاناة كبيرة” فعلاً فمعظم النار من مستصغر الشرر.

إنما الجبال من الحصى.

طريق الألف ميل يبدأ بخطوة.

يوضع سره فى أضعف خلقه.

“لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلق أخاك بوجه طليق” كما علمنا النبى (صلى الله عليه وسلم).

“إن العبد ليتكلم بالكلمة…” كما جاء فى الحديث الشريف

“اتقوا النار ولو بشق تمرة”

عدم الاستهانة بالأشياء الصغيرة سيئة كانت أم حسنة لأنها تتراكم وتؤدى إى شئ ذى بال، أو لأن تأثيرها قد يكون أكبر مما نتصور. وقد لفت انتباهى أننى وجدت هذه الفكرة متأصلة فى الدين الإسلامى وفى التراث الإنسانى بشكل عام. لذلك، لا تستهن بأى تطور فى شخصيتك ولو بسيط، لا تستهن بأى معلومة تحصل عليها ولو بدت بسيطة أو صغيرة، لا تستهن بأى نعمة مهما بدت صغيرة، لا تستهن بأى من قدراتك أو مواهبك مهما بدت بسيطة وصغيرة لأنها قد تكون ذات نفع عظيم إذا رعيتها حق رعايتها. لا تستهن بأى شخص ولو بدا صغيراً أو ضعيفاً.

لا تستصغر أى صغير.

***

كتاب جديد أم قديم؟ صديق جديد أم قديم؟

يقول الكاتب: “حين تضيق نفسى أبحث عن كتاب قديم سبق لى أن قرأته وأحببته فأعيد تصفحه وقراءة بعض صفحاته. عندما يكون الإنسان مجهداً نفسيا وجسدياً لا يكون مستعدا للتعرف على أصدقاء جدد. ويفضل ألا يراه فى حالته تلك سوى الأصدقاء القدامى الذين لا حجاب بينه وبينهم.”

أعجبنى التشبيه، وأعجبتنى تلك العلاقة بينه وبين كتبه حتى يستشعر أنهم أصدقاؤه الذين يلجأ إليهم عند ضيقه. ومع هذا، فإننى أرى أن الإنسان أحياناً يشعر وهو فى حالة من الضيق أو الملل أنه يريد أن يقرأ كتابا جديداً تماماً كما يشعر أحياناً أنه يريد التعرف على أناس جدد. وأيضاً، قد يجد فى نفسه رغبة فى قراءة أجزاء بعينها من كتب قديمة تماماً كما يشعر بأنه بحاجة إلى اللجوء إلى صديق حميم يفهمه ويعرف كيف يريحه.

***

وأخيراً..

تعبيرات ومقولات أعجبتنى:

*الحب طريق ذو اتجاهين.

*ظل الحب نائما فى صدرها كالعملاق الذى جاء فى الأساطير أنه نام ألف سنة ثم أيقظه دبيب أقدام السائرين فوقه. لقد كان قرب هذا الشاب هو دبيب الأقدام الذى أيقظ عملاقها النائم.

*استنفار إرادتك الحديدية.

***

كتاب عميق وشيق، أنصحكم بقراءته.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s