أصلها متعودة!

منذ أيام قليلة كنت فى محطة المترو، وسعدت بوقوف الناس فى طابور أمام شباك التذاكر فأخذت دوررى ولكن “الحلو مايكملش” فقد بدأ البعض يأتون من خارج الطابور إلى الشباك مباشرة ليشتروا تذاكرهم وينصرفوا، ولم يتكلم أحد ممن يسبقوننى فى الطابور، وهو ما استفزنى جداً ولم أرغب فى ترك مكانى فى الطابور لأذهب إلى هذا الذى يتخطى دوره، ثم رأيت من ضمن هؤلاء المتخطين طفلة فقلت لابد أن معها أمها أو أباها فنظرت ورائى فإذا بأمها تقف منتظرة ابنتها خارج الطابور، فتحدثت إليها بأن عليها أن تقف فى الطابور لأننا كلنا مرتبطون بمواعيد ونريد أن نقضى مصالحنا، فجاء ردها بكل برود ولامبالاة: “أصلها متعودة” (!) فقلت لها بغيظ هادئ: “معلش لو متعودة على حاجة مش صح، تتعلم!”

طبعا فى أثناء هذا الحوار التربوى كانت الطفلة قد عادت إلى أمها ظافرة بالتذاكر، وهنا وجهت كلامى إلى من يتقدموننى فى الطابور بألا يسمحوا لأحد أن يتقدمهم، فرد علىّ أحد الرجال بأنه يجب أن يكون هناك طابور للرجال وآخر للنساء وأنهم لا يحبون أن يعترضوا النساء. لم أنتبه ما إذا كان كل من تجاوزوا الطابور من النساء أم كان من بينهم رجال، ولكننى أخذت بمنطق الرجل فخرجت من الطابور واشتريت التذكرة وانصرفت.

أكثر شئ استفزنى فى الموضوع فهو رد الأم وملامح وجهها وهى تقول لى “أصلها متعودة”. فقط أريد أن أعرف هل يشعر المربون بعظم الدور الذى يقومون به؟ وهل يعلمون أن التربية مواقف وسلوكيات وليست فقط توجيهات مباشرة؟ وهذا الفيديو قد يجسد هذا المعنى بوضوح:

قد لا تحدث الأمور فى الواقع بهذه الطريقة المباشرة والفورية كما فى “الفيديو” ولكن المؤكد أنها تحدث.

الطريف أننى عندما حكيت هذا الموقف لأحد الأشخاص، جاءنى الرد كالصاعقة: وأنا ليه أقف فى الطابور أصلاً؟ وليه يكون فيه طابور أصلاً؟ (!!!!)

فقلت أن الإسلام يعودنا النظام فى كل شئ كالاصطفاف وتسوية الصف عند الصلاة، واحترام مواعيد الصلاة والصيام حتى أن الثوانى تحدث فرقاً، ثم توقفت عن الحوار وأنا أضحك قائلة أننى لا أريد مزيداً من “حرقة الدم” !

لماذا لا تحدث العبادات أثرها المرجوّ منها فينا (ولا أنزه نفسى عن ذلك)؟ هل لأننا أصبحنا نؤديها على سبيل العادة؟ هل لأننا لا نتفكر فى الحكمة منها؟ هل لأننا نظن خطأً أن الإسلام ليس إلا طقوساً وشعائر وننسى قول النبى (صلى الله عليه وسلم): “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، وننسى أن الإسلام هو أسلوب حياة ينبغى أن يتغلغل فى كل تفاصيل حياتنا؟

ومع هذا ليست الصورة قاتمة، فهناك من الناس من لا يزالون يتمتعون بالأخلاق، وأنا هنا لا أتحدث عمن أعرفهم ولكنها لفتات لأناس لا أعرفهم ولا تربطنى بهم صلة فى المواصلات أو الأماكن العامة، ولأنقل إليكم بعضاً منها:

*لاحظت تزايداً فى قيام الرجال للنساء وكبار السن فى المواصلات العامة.

*ذات مرة ركبت المترو، ولم أجد مكاناً للجلوس على الكراسى فافترشت الأرض على “إسكتش” كنت اشتريته لأختى [وهذه ميزة أن يكون لك أخ أو أخت فى كليات فنون : ))) ] ففوجئت بفتاة فى مثل سنى تقوم لتجلسنى مكانها، فشكرتها رافضة أن أجلس مكانها ولكننى فى الحقيقة سعدت جداً بذوقها وتحليها بهذا الإيثار.

*أثناء زيارتى لأحد الأماكن الأثرية وقد حان وقت إغلاق المكان، جاء موظف يطلب من الزائرين الانصراف بذوق وحزم فى نفس الوقت، وقد رأى على الأرض زجاجة مياه فارغة لإحدى الزائرات فسألها ما إذا كانت هذه زجاجتها للفت نظرها بطريقة مهذبة وغير مباشرة إلى حمل زجاجتها معها وعدم تركها على الأرض هكذا. فتوجهت إليه مع رفاقى وحييناه على أدبه فى التعامل مع الناس من باب أن الكلمة الطيبة صدقة ولتشجيعه على الاستمرار فى هذا السلوك.

*أذكر عند عودتى من سفر فى يوم ما أننى استقللت “تاكسى” (أظن أنه لم يكن هناك “تاكسى” بعداد وقتها) إلى المنزل وأعطيته مبلغاً من المال، فوجدته من تلقاء نفسه يرد لى الباقى!

مع كل السلبيات التى نراها حولنا، مازالت هناك نقاط مضيئة علينا أن نراها ونستمتع بها حتى نستمد طاقة من التفاؤل والحماس تعيننا على مواصلة مشوار الإصلاح.

2 responses to “أصلها متعودة!

  1. يا سلاااااام
    أشعر بالغبطة لأني أتيت على هذه المدونة الجميلة .
    الكثير من الأفكار الجميلةوالأسلوب الممتع غير المعقد والذي يوحي بأن كاتبته تكتب كما تتكلم تماماً .
    يبدو أني ساصير من زوارك الدائمين يا هدى .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s