هو صحيح اللى بيكدب بيروح النار؟؟

– اللى بيكدب بيروح النار

– اتخبطت، عااااا….. شفت ربنا بيعاقبك عشان (عملت كذا أو ماعملتش كذا)

جمل سمعناها جميعاً ونحن صغار فى البيت وفى المدرسة، ولكنى الآن أتساءل: هو صحيح اللى بيكدب بيروح النار؟ وهل بمقدور أو من حق أى إنسان أصلاً مهما علا قدره أن يحدد من سيكون من أهل الجنة ومن سيكون من أهل النار؟؟

وهل فعلا عندما ارتطمت رأسى بالمائدة أو سقطت على الأرض وأنا ألعب كان ذلك عقاباً من الله لى لأننى لم أطع ماما أو بابا ( أتحدث بشكل عام ولا أقصد والدىّ تحديداً) أو لأننى أغضبت معلمتى ولم أقم بعمل الواجب أو لأننى لم أصلِّ أو لم أكمل طعامى؟! ومن أين عرفوا ذلك يا ترى؟ أطلعوا الغيب أم كشفت عنهم الحجب؟! وهل كنت أحاسب وقتها أصلاً عندما ذهبت إلى الكبار أبكى عندما سقطت أو ارتطمت رأسى كى يعاقبنى الله؟!

ولماذا عندما حصلت على درجات مرتفعة فى الامتحان لم يقولوا لى أن الله يكافئنى لأننى اجتهدت فى المذاكرة؟ لماذا لا يذكر الله إلا عندما يذكر العقاب والنار وكل الأشياء المخيفة هذه؟؟

كبرنا واستمر معنا هذا الخطاب، كبرنا وهم يخوفوننا من عذاب القبر وأهوال القيامة، فإذا لم ترتدى الحجاب فسوف تأخذين سيئات كثيرة جداً ويالها من خاتمة سيئة لو متِّ على هذا الحال، وإذا لم تنجح فى الامتحان أو لم توفق فى الحصول على وظيفة أو أصابك أى شئ تكرهه فهو عقاب السماء لك أيها المذنب العاصى. هل هناك دليل على ذلك؟ إن هذه إحدى طرق التفكير الخاطئة التى تشربناها وهى “الربط بين أشياء ليست بالضرورة مرتبطة ببعضها”.

أقر أن الحجاب فرض (أو بمعنى أدق الالتزام بشروط الزى الشرعى للمرأة المسملة)، وأؤمن بعذاب القبر وبأهوال القيامة. ونعم أسلوب الترهيب استخدم فى القرآن، لا أنكر كل ذلك ولكن استخدم معه الترغيب أيضاً. وفى رأيى أن الأسلوبين معاً لازمين فى التربية، ولكن هل الأفضل أن تفعل الصواب وتتجنب الخطأ خوفاً من العقاب أم حباً فى من يطلب منك ذلك وطمعاً فى ثوابه؟

ثم ألستم معى أن العمل بدافع الخوف قاتل للطموح حيث يصبح كل هدفك فقط الفرار من العقاب، أما العمل بدافع الحب فيجعلك تفعل كل ما بوسعك من أجل من تحب. نعم، تخشاه ولكنها الخشية أو الرهبة المشوبة بالحب والرغبة فى إرضاء من تحب والخوف على زعله.

ربنا بيحبك والأدلة على ذلك كثيرة: فله فى أيام دهرنا نفحات، ويعطينا الثواب الجزيل على العمل القليل، يضاعف لك الحسنة ويجزيك على السيئة بمثلها وقد يغفرها لك بل ويحولها إلى حسنة إن استغفرته وتبت إليه…

“يريد الله أن يخفف عنكم” (النساء)

“والله يريد أن يتوب عليكم” (النساء)

“يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر” (البقرة)

“ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير” (الملك)

“إن الله بالناس لرؤوف رحيم” (البقرة)

ولو استمررت فى إيراد الآيات والأحاديث الدالة على حب الله لنا ورحمته بنا لملأت صفحات وصفحات، وربما نعرف كلنا هذه الآيات والأحاديث ولكننا نعرفها على المستوى النظرى ولكننا لا ندركها ونعيشها ونعيش بها.

وبالعكس، لقد تشكل فى وعينا أن الله لنا بالمرصاد وأنه سوف يعاقبنا على أى خطأ نرتكبه.

تشكل فى وعينا أنك طالما تعرف الصواب من الخطأ، فلابد أن تفعل الصواب كله وتتجنب الخطأ كله الآن. طب مش ممكن تكون فيه حاجات صعبة علىّ دلوقت، يعنى أنا معترف أنى مخطئ أو مقصر فى كذا؟ هل لو متوقفتش دلوقت حالاً هيحل علىّ عقاب ربنا؟ هذه طريقة أخرى من طرق التفكير الخاطئة: التفكير الكارثى الذى يهول من النتائج المتوقعة بما يفوق حجم الحدث، والتفكير السلبى الذى ينتظر الأسوأ دائماً.

هذه الحالة من الذعر هى من ضمن العوامل التى تصعب علينا التوبة والاستعانة بالله. ما رأيك لو اعترفت لله بضعفك – الذى يعلمه سبحانه وخلقه فيك – وناجيته قائلاً:

عارف إنى غلطان ومقصر بس مش قادر

ممكن تساعدنى؟

ممكن ماتسبنيش لوحدى؟

يا رب ارحم ضعفى وقوينى

يا رب أنت صبرت علىّ كتير

ممكن تصبر علىّ وتفضل رحيم ورؤوف بى

يا رب خلينى أحبك

وخلينى أحس بحبك لى ورحمتك بى…

هل تعتقد أنك بعد أن تقف منكسرا على باب الله تناجيه وترجو رحمته وتتذلل له وتظهر له ضعفك راجياً رحمته.. هل تعتقد أنه بعد كل ذلك سيبطش بك؟ والله إنه لسوء ظن بالله، بل وسوء أدب!

ثم هل من الممكن أن نغير نظرتنا للعقاب؟ إن الله تعالى يقول عن نفسه أنه “ربُّ” العالمين. وكلمة من كلمة “تربية”، فأنا أرى أن الله فى الدنيا يربينا تارة بأن بقدر لنا شيئاً نحبه ونسعد به، وتارة بأن يقدر علينا شيئاً نكرهه ولكنه خير لنا لأن الله يربينا. أما العقاب فقد يكون هو الذى لن يكون للإنسان بعده فرصة أن يعدل مساره أو يصلح من نفسه. وهذه التفرقة ليس لها أى أساس لغوى أو شرعى. إنها مجرد خاطرة شخصية ورغبة فى استخدام الكلمات المبشرة لأن الكلمات التى نتكلم بها تؤثر فى اعتقاداتنا، وتفكيرنا، ومشاعرنا وأفعالنا.

ما رأيكم أن يكون سبيلنا إلى الله فى هذه الأيام العشر (أو أحد هذه السبل على الأقل) هو أن نراجع معتقداتنا عن الله وعن علاقتنا به؟ وأؤكد: “معتقداتنا” وليس “معرفتنا” فحسب، بل معتقداتنا المترسبة فى أعماق نفوسنا والتى تحركنا وتشكل علاقتنا بالله ومشاعرنا نحوه سبحانه وتعالى.

صلِّ، وصم، واذكر الله، وتصدق، وصل رحمك، وادع الله ولكن ادعه بما فى قلبك، ناجه، فضفض معه، تحدث معه عن مخاوفك وهمومك وأمنياتك. حاول دائماً أن تضيف شيئاً جديداً، كن مبتكراً فى تقربك إلى الله، ولا أقصد ابتداع عبادة وإنما أقصد أن تفعل ما تشعر به، أن تدخل إلى الله من باب لا يقصده الكثيرون. دعونا نتخلص من النمطية التى صبغت كل شئ فى حياتنا من برامج التليفزيون، إلى صفحات الـFacebook ورسائل المحمول والملابس والأماكن التى نتنزه فيها….الخ.

فكر فى العلاقة بينك وبين الله أنها علاقة خاصة جداً وفريدة جداً.

ولاحظ أن الطائر يطير بجناحين، ولو طار بجناح واحد لسقط. وأنت لو طرت إلى الله بجناح واحد فقط لسقطت، لذا طِر إليه بجناحى الرجاء والخوف.

وآمن أن العلاقة بينك وبين الله أساسها الحب…

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s