الإناء المثقوب

ماذا لو حاولت صب سائل فى إناء مثقوب؟؟ بالطبع لن يحتفظ الإناء بالسائل وسيتسرب من خلال هذا الثقب، ولكن ألن يكون غريباً أن يحتفظ نفس هذا الإناء ببعض السوائل دون بعضها؟!

هذا الإناء الذى أتحدث عنه هو القلب… نعم قلب كل واحد فينا عندما يرفض استقبال الحب والتشجيع ويمتص بسرعة كلمات النقد ويرددها داخله بصوت مرتفع أعلى من صوتها الطبيعى وكأنها تتردد فى مكبر صوت!

منذ أيام خطرت لى خاطرة عن رسائل الحب التى يبعث الله بها إلينا، إن الله يبعث لنا يومياً وعلى مدى سنى حياتنا بالكثير والكثير من رسائل الحب، ولكننا لا نلتفت إليها أو ننساها، فإذا حاول الواحد منا تذكر بعض المواقف التى شعر فيها بحب الله ومساندته لها قد يجد أنه لا يتذكر الكثير، فيشعر بداخله أن شيئاً ما “غلط” متسائلاً فى استغراب وربما فى قلق وحيرة: “هو ربنا ماوقفش جانبى؟” ثم سرعان ما يجيب نفسه: “لا لا مش معقول!” ولكنها إجابة لم تشفِ حيرته فيتساءل فى حيرة وحزن: “طب أنا مش فاكر ليه؟؟؟ هو أنا ناكر للجميل؟؟” إن الإنسان كلما كانت له ذكريات سعيدة مع غيره كلما قويت الرابطة بينه وبينهم، وكذلك مع الله سبحانه وتعالى، ولله المثل الأعلى.

لماذا لا نلتفت إذن لرسائل الحب هذه وننساها؟ ألا يحدث مع الواحد منا أحياناً أن يثنى عليه الآخرون فيقول فى نفسه كلمات من طراز: “أكيد بيجاملنى” أو “أصله مايعرفنيش كويس، لكن لو عرفنى كويس هيغير رأيه!”.. مشكلة هذا الشخص هو أن بداخله صوتاً يخبره دائماً أنه إنسان سئ، وإحساس أن عليه دائماً أن يفعل شيئاً بل أشياء لعله يتخلص من هذا السوء! وبالمناسبة، هذا الصوت وهذا الإحساس غالباً لا يكونان بهذا الوضوح وهذه المباشرة، ولكنهما قد يكونان فى شكل انتقاد دائم للنفس و”تلاكيك” على كل كبيرة وصغيرة. هذا الصوت أعلى من أى صوت آخر أو أصوات أخرى. هذا الصوت فى رأيى هو الثقب الذى تتسرب منه كلمات التشجيع ومشاعر الحب التى يرسل بها إلينا الآخرون.

كيف تكون هذا الصوت؟

هذا الصوت اسمه “الوالد الداخلى”. هذا الوالد الداخلى له وظيفتان: أولاً، هو يمثل لنا الصواب والخطأ (حتى ولو كانت أحكامه خاطئة). وثانياً، هو الذى من المفترض أن يقدم لنا الرعاية. هذا الوالد الداخلى تكون داخلنا من خلال الكلام الذى كنا نسمعه منذ طفولتنا ممن كانوا منا فى موقع السلطة وتقديم الرعاية كالوالدين، والمعلمين، والدعاة والمعالجين النفسيين…الخ. وعلى حسب النبرة التى غلبت على أصوات هؤلاء تكون نبرة صوت الوالد الداخلى لدى كل واحد فينا، فإذا كانت نبرة نقد وهجوم طوال الوقت، كانت نبرة الوالد الداخلى كذلك. وإذا كانت نبرة حب وتشجيع، كانت نبرة الوالد الداخلى كذلك (تنبيه واجب: الحب = حنان + حزم).

نفس الشئ ينطبق على علاقتنا بالله. إذا كان هذا الوالد الداخلى مثبطاً فإنه يحجب عنا ضوء ودفء شمس حب الله.. أما إذا كان صوتاً محباً مشجعاً فإنه يصبح بمثابة القناة التى تنقل إلينا هذا النور وذلك الدفء. والآن، تعالوا نراجع الرسائل التى يستقبلها الكثيرون منا عن الله منذ طفولتنا: “اللى بيكدب (أو بيعمل أى حاجة وحشة أو مش بيعمل أى حاجة كويسة!) بيروح النار”، “أنت وقعت واتعورت عقاب من ربنا عشان … (أى حاجة)”.. هذا إلى جانب الخطاب الدينى القائم لدى بعض الدعاة إما على الترهيب أو على إشعار المخاطب أنه دائماً مقصر مهما فعل.

من الممكن أنك تتساءل الآن: “طب هو احنا مش مهما عملنا فعلاً مقصرين؟” وإجابتى: نعم، ولكن… فرق بين أن تشعر أنك مقصر ومع ذلك تحب نفسك فتحب لها الخير وتحب لها أن تكون أفضل، وبين أن تشعر أنك مقصر وبالتالى لا تحب نفسك  يائساً أن تكون أفضل أو محاولاً فقط النجاة من العقاب الذى تتصور أنه محدق بك من كل ناحية وكل همك فقط الإفلات منه! أنا متخيلة الأول يمشى فارداً ظهره، ناظراً إلى الأمام، مبتسماً، رافعاً ناظريه ويديه إلى السماء بين الحين والآخر فى أمل ورجاء.. ومتخيلة الآخر ماشياً فى أرض مقفرة، مطأطئاً لا رأسه فقط بل كل جسمه، متلفتاً يمنة ويسرة وفى كل جانب، ومحاولاً أن يصد بيديه أخطاراً يشعر أنها ستلحق به من حيث لا يحتسب. تخيل مشاعر كلا الشخصين وحالتهما النفسية والجسدية، تخيل مشاعر كل منهما نحو نفسه، ونحو الطريق الذى يسير فيه ونحو من يقطع هذا الطريق متوجهاً إليه…

اشعر أنك مقصر، ولكن تأكد بداخلك أن الله مازال يحبك حتى وأنت مقصر هكذا ويريد لك الخير والهداية، أليس هو القائل فى الحديث القدسى: “… أَهلُ طَاْعَتِيْ أَهلُ كَرَامَتِيْ , وَأَهلُ مَعَصِيَتِيْ، لَاْ أُقَنِطُهُم مِنْ رَحَمَتِيْ. إِن تَاْبُوا فَأنًاْ حَبِيبُهُم، وِإن لَمْ يَتُوبُوا فَأَنَا طَبِيُبُهم. أَبَتَلِيْهِم بِالمَصَائِب؛ لِأُطَهِرَهُم مِنَ المَعَايِب. مَنْ أَقَبل إِلَيَّ، تَلَقَيتَهُ مِنْ بَعِيْد، وَمَن أَعَرَضَ عَنَّي، نَاْدَيتُهُ مِنْ قَرِيب ، أَقُولُ لَهُ أَينَ تَذهَب أَلَكَ رَبٌ سِواي”

هذا خاصة إذا كان الله يرى منك أنك تجاهد فيه، لأنه يعلم أننا لسنا كاملين.. وحتى الظالم المتجبر فإن الله لا يتركه بل يرسل له رسائل عديدة تتدرج فى شدتها لعله يرتدع ويرجع عن ظلمه. لماذا؟ لأنه يريد به الخير. أما ولم يرجع الظالم عن ظلمه، فليعاقب.. فليعاقب حباً من الله للبشر حتى لا يظلموا بعضهم بعضاً فيتعسوا بعضهم بعضاً وحتى لا يتعرضوا لنفس المصير.

أحب نفسك كى ينقشع الضباب زتصفو سماء قلبك لاستقبال حب الناس وحب الله…

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s