أنا مش عارف أتغير

كثيراً ما حاولت تغيير أشياء فى نفسى ولكن دون جدوى. فبعد أن أقعد مع نفسى قعدة صلح ونتفق على ما سنفعل ونحدد الخطوات، وبعد الشعور بأن الحكاية بسيطة خالص ومش مكلكعة، وبعد أن يدب فى أوصالى الحماس، ويملأ قلبى التفاؤل.. آتى وقت التنفيذ فلا أجد الحماس ولا التفاؤل وقد تبدد شعورى بأن الحكاية سهلة خالص وكل الكلام الجميل ده! ويوم ما أتشطر شوية، آخد خطوة ثم ترجع ريما لعادتها القديمة..

كاد يصيبنى الجنون وأحياناً اليأس، واستغرقتنى الحيرة.. قد أكون فى حاجة إلى تجديد النية مثلاً؟ ورغم أن هذا قد يكون صحيحاً إلا أنه لم يكن الحال معى. ويطرح السؤال نفسه: لماذا لا أتغير مع أنى أعرف كيف أتغير ومع أن الحكاية بسيطة خالص من وجهة نظرى ومن وجهة نظر من أطلب منهم المشورة؟

وأزعم أننى وجدت إجابة لهذا السؤال السهل الممتنع الذى أظن أننا كلنا سألناه لأنفسنا فى لحظة من اللحظات، ولم أقل أننى وجدت “الإجابة” لأن هناك إجابات أخرى كثيرة كل منا يستطيع أن يأتى بواحدة أو أكثر منها.. ولكن دعونى أحدثكم عن الإجابة التى توصلت إليها أنا.

لقد وجدت نفسى أقفز إلى التفكير فى الحل دون الاهتمام بالبحث عن سبب المشكلة، أو دون توصيف المشكلة توصيفاً جيداً، أو دون الوصول إلى المشكلة الأم التى تسبب غيرها من المشاكل الفرعية كالثمرة التى تقطعها فتنبت الشجرة غيرها ولو أردت منع الثمار نهائياً فلابد من قطع الشجرة من جذورها!

ولأضرب لكم مثالاً: شخص لا يستمر فى وظيفة. الأسباب الظاهرة قد تكون متعلقة بالأجر، أو طبيعة العمل أو مواعيده، أو مكانه، أو عدم ارتياحه مع زملاء العمل…الخ. الأسباب الأعمق قد تكون عدم معرفته بوضوح ما يريد، أو ضعف ثقته بنفسه ومن ثم انسحابه عند أول مشكلة تواجهه، أو ضعف قدرته على التكيف مع الآخرين، …الخ. لو أنه سعى إلى تحسين صورته عن نفسه، فسوف تتحسن قدراته على حل المشكلات.. المشكلات بصفة عامة فى العمل أو فى العلاقات أو أى شئ آخر.. وعندما يطور قدراته على حل المشكلات فإن هذا سوف يؤدى إلى تحسن علاقاته.

وهكذا، فإن معرفة السبب الأعمق أو المشكلة الأم تساعد الإنسان على إصلاح مساحات متعددة فى حياته، يجمع بينها خيط واحد أو قاسم مشترك. وفى رأيى، أن المجهود الأكبر يتركز فى سبيل التوصل إلى هذا السبب الأعمق. وما إن يتوصل إليه، فإن خطوات التغيير تصبح أسهل.. وما إن يبدأ فى اتخاذ الخطوات الأولى منها فإن العجلة تدور ليكتشف ويفاجأ أن الخطوات التالية أسهل وأسهل، وربما تصيبه الدهشة!

لماذا أرى أن المجهود الأكبر يكمن فى سبيل التوصل إلى السبب الأعمق؟ لأن ذلك لا يحدث فى خلوة واحدة مع النفس، ولأن الصدق مع النفس ليس سهلاً دائماً. فما السبيل إذن؟

سأقترح عليكم بعض الطرق التى جربتها وساعدتنى على أكون أكثر صدقاً مع نفسى، وكلها تهدف إلى رفع الوعى بالذات.

1-  القراءة، وخاصة فى علم النفس والتنمية الذاتية أو الروايات التى تتسم بهذا الطابع مثل روايات باولو كويليو. ومن أكثر الكتاب الذين قرأت لهم وتأثرت بكتاباتهم: الأستاذ عبد الوهاب مطاوع رحمه الله، ود. أوسم وصفى.

2-  حضور دورات التنمية الذاتية.

3-  العزلة والتأمل.. لازم تتعود تقعد مع نفسك وتسمعها.. لازم تتعود تقعد مع نفسك من غير موبايل ولا كمبيوتر ولا تليفزيون ولا كتاب إلا لو كتاب يساعدك على التأمل (يعنى كتاب يفتح لك موضوعات تدردش فيها مع نفسك مثل القرآن الكريم أو ما يقابله عند أصحاب الديانات الأخرى، أو كتب الأقوال المأثورة، والتأملات…الخ.). وياحبذا لو اصطحبت معك فى تلك الخلوة ورقة وقلماً، أو يعنى ممكن حتى نقول لازم يكون معاك قلم وكشكول تدون به خواطرك. لماذا؟ يقول د. ديل وجوانيتا رايان فى كتابهما “التعافى وحب الله”: “الوضوح لا يأتى قبل الكتابة! فلا تتجنب الكتابة لأنك لا تعرف ماذا تكتب وماذا لا تكتب. اكتب كل ما تشعر به أو تفكر فيه، وسوف تساعدك الكتابة على استيضاح أفكارك ومشاعرك. لا تحاول أن تحذف أو تضيف أو تلعب دور المحرر لما تكتب. فقط اكتب! اكتب أى شئ. لن يراجع أحد ما تكتبه، ولن تنشر هذه اليوميات فى الجريدة الصباحية! عندما تكتب سوف تندهش كيف يتزايد الوضوح بينما تكتب”.

4-  افتح قلبك للآخرين، وطبعا ليس أى “آخرين”.. وإنما إلى أشخاص لديهم القدرة على الاستماع الجيد والتفهم لك ولمشاعرك وتقبلك. فى كتاب “لماذا أخشى أن أقول من أنا” قرأت هذه العبارة البليغة: “ولكن إذا قلت لك من أنا قد لا أعجبك، وذاك هو جل ما أملك”. وعلى لسان د. بول تورنيه فى نفس الكتاب:

“لا أحد ينمو بحرية فى هذا العالم، ويبلغ ملء قامته، دون أن يشعر أن هنالك، ولو شخصاً واحداً، يفهمه ويحبه.. ومن أراد أن يتعرف إلى نفسه بوضوح، عليه أن يفتح قلبه بملء حريته، على أن يكون إنساناً جديراً بتلك الثقة..”

لقد تعلمت أننا كبشر نشبه بعضنا جداً على الرغم مما بيننا من اختلافات كثيرة.. أفراحنا واحدة وآلامنا واحدة. هذا بالإضافة إلى أن لا أحداً يملك الحقيقة المطلقة وكل واحد يرى جانباً من الحقيقة، ومن يستشير غيره ويشاركه يحيط بجوانب أكثر من الحقيقة. وكما أن الوضوح يزيد مع الكتابة كما ذكرت فى النقطة السابقة، فإنه يزيد كذلك مع الكلام. الكلام مع الآخرين يساعدنا على فهم أنفسنا أكثر سواء عندما نسمع أنفسنا ونحن نتحدث ونعيد النظر فى كلامنا بينما ننطق به، أو عندما نتعرف على آراء الآخرين فيما نقول.

مهم جداً نتكلم مع أنفسنا وأيضاً  مع غيرنا. لو تكلمت مع نفسك فقط فسوف تشعر بعد فترة أنك زهقت من نفسك وأنك تدور فى حلقة مفرغة، ولو ظللت تتحدث إلى الآخرين فقط ولا تختلى بنفسك، فسوف تفقد قدراً كبيراً من قدرتك على التركيز، والصدق مع نفسك.

حسناً.. هل هذه الاقتراحات السابقة سهلة التنفيذ؟

كأشياء كثيرة جداً فى حياتنا، قد تكون صعبة فى البداية ولكنها ما تلبث أن تصبح يسيرة بالممارسة والتعود. فإذا كنت غير معتاد على الاختلاء بنفسك، فقد تشعر بالخوف مما سوف تكتشفه أو تصارح به نفسك. وهذا طبيعى ولكن مع الوقت وكلما صدقت مع نفسك وصاحبتها كلما أصبحت أكثر تصالحاً معها… وربما أيضاً تشعر بالملل عندما تبدأ فى ممارسة هذه العادة وبعدم القدرة على التركيز، وبأنك تريد أن نتهض سريعاً، وقد تتساءل بينك وبين نفسك متشككاً عن جدوى هذه الممارسة.. إلا أنك عندما تتعود وتبدأ فى جنى ثمار هذه الممارسة الجديدة، فإن قدرتك عليها سوف تتزايد تدريجياً بل وستتطلع إلى هذا الوقت الذى تقضيه مع نفسك تماماً كما تتطلع إلى لقاء حبيب أو صديق عزيز.. بل وسوف تشعر بعدم الراحة إذا مضت عدة أيام لم تختلِ فيها بنفسك. ونصيحة: ابدأ بأوقات قليلة كخمس أو عشر دقائق، وسوف تجد نفسك تزيد هذا الوقت تدريجياً كلما شعرت بأثره وكلما حققت قدراً أكبر من الصدق والتصالح مع النفس.. ولتواظب على هذه الدقائق القليلة، فخير الأعمال وأنفعها أدومها وإن قل.

وإذا كنت غير معتاد على التحدث إلى الآخرين، فسوف تجد صعوبة فى البداية أيضاً.. ولكن مع الوقت أيضاً عندما تتذوق القبول من الآخرين رغم ما ترويه عن نفسك وما تبثه من مشاعر وأفكار.. وعندما تتذوق الراحة الناتجة عن ذلك.. فسوف تجد أن الأمر يصبح أكثر يسراً. ابدأ بالتحدث فى موضوعات يسهل عليك مكاشفة الآخرين فيها، وابدأ مع الأشخاص الذين تطمئن إليهم وتشعر بالراحة معهم.. لا تجبر نفسك على الحديث فى وقت معين أو فى موضوع معين أو إلى شخص معين.. تحدث عندما تشعر بالرغبة فى ذلك، وعندها قد تسمع بداخلك صوتاً آخر يحاول إثناءك عن ذلك.. لا تنهره أو تسكته بالقوة، ولكن اسأله: لماذا؟ وقل له: دعنا نجرب.

وإذا كنت لا تحب القراءة، فلتبدأ بصفحات قليلة، وانتقِ كتباً سلسة، وليس إجبارياً أن تقرأ الكتاب من الجلدة إلى الجلدة، ولكن اقرأ فقط الفصول التى تجذبك.. أو حتى اقرأ على الإنترنت إذا كان هذا الأفضل بالنسبة لك (مع أن القراءة فى الكتب لا يعادلها شئ).

وإذا كنت تعتقد أن الدورات غير مجدية، فأقول لك شيئين: الأول، أن الفلاح عندما يرمى البذر فى الأرض لا يجنى الثمار فوراً، ولكنه ينتظر شهوراً.. كذلك، لا تنتظر أن تدخل الدورة شخصاً فتخرج إنساناً جديداً.. دع المعلومات والأفكار التى حصلت عليها تختمر فى عقلك، وتذكر أنك تبنى طريقة تفكير جديدة، وهذا سوف يستغرق وقتاً حتى ينعكس على سلوكك وتشعر بتغير ملموس. وكذلك لا تتوقع أن تطبق كل حرف سمعته، فهذا شئ غير واقعى تماماً.. لا تتعجل التغيير أو تستهن بأى تقدم تحرزه، يكفى أنك تتغير حتى لو كات التغير بطيئاً أو بسيطاً.. لأن هذا التغيير سوف يتراكم مع الوقت، كما أن إيقاع التغيير يختلف من فترة إلى أخرى فى حياتنا. الشى الثانى الذى أنصحك به أن تنتقى الدورات التى تحضرها. حاول أن تبحث عن المميز خاصة أن دورات التنمية الذاتية انتشرت بشكل كبير جداً فى الفترة الأخيرة، ومع هذا فبشئ من الخبرة أو استشارة أصحاب الخبرة من الأصدقاء والمعارف يمكنك أن تميز الغث من السمين.

حاولت فى هذه التدوينة أن أقدم إجابة على سؤال يدور فى أذهان الكثيرين منا وكان يدور فى ذهنى أنا أيضاً وهو: لماذا تفشل مساعينا أحياناً فى التغيير رغم كثرة محاولاتنا؟ وهذه الإجابة التى قدمتها ليست منقولة من الكتب ولكنها من واقع تجربتى الشخصية، ولا أزعم أنها الإجابة الصواب.. قد تختلفون معى فيها أو بعضها، وبالطبع ترون جوانب أخرى من الحقيقة. فما هى إجاباتكم أنتم على هذا السؤال؟؟

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s