حاسس بإيه؟ (1)

ماذا يمكن أن تكون إجابتك على السؤال المطروح فى عنوان المقال؟ هل تجد صعوبة فى تحديد ما تشعر به أم أن الأمر سهل؟ هل يمكنك أن تتحدث إلى شخص آخر عما تشعر به أم أن الأمر به شئ من الصعوبة؟ هل يمكنك أن تقبل ما تشعر به حتى لو كانت مشاعر سلبية (كالإحباط، والخوف، والقلق، والغضب…الخ) أم أنك ترفض أنك تشعر بهذه المشاعر وترى أنها قدح فى إيمانك بالله ورضاك بأقداره؟

كثير من الناس يجدون صعوبة فى تحديد مشاعرهم وتسميتها بدقة، فقاموسنا العاطفى فقير للغاية. كثير من الناس كذلك لا يستطيعون قبول حقيقة أن بداخلهم مشاعر سلبية، لذا ينكرونها أو يكبتونها ولا يعترفون بها. وهنا أحب – عزيزى القارئ – أوجه لك سؤالاً آخر (وعذراً على كثرة أسئلتى!): هل يمكنك أن تلوم نفسك إن شعرت بالألم إن ارتطمت قدمك بحجرة مثلاً، أو بالحر أو البرد أو غير ذلك من الأحاسيس الجسدية، أو هل يمكنك أن تقول لمن يحس بها “اتقِّ الله، كيف تشعر بالحر؟!” أو “المؤمن لا يشعر بالبرد أو الألم!”… لعلك تضحك الآن مندهشاً من هذه الجمل التى تبدو غريبة وغير منطقية بالمرة!

لماذا إذن نقبل أحاسيسنا الجسدية، بل ونعد رفضها ضرباً من الجنون، ولا نستطيع أن نقبل مشاعرنا؟

انظر إلى الرسم السابق تجد أن المشاعر أقرب إلى الإرادة من الجسم، لذا تعتقد أن بإمكانك التحكم بمشاعرك ولا يمكنك التحكم بأحاسيسك الجسدية. وهذا صحيح إلى حد ما ولكنه ليس صحيح تماماً. كيف ذلك؟

ربما لا تستطيع منع نفسك من الشعور ابتداءً ولكنك تستطيع أن تؤثر فى المدة التى يمكثها هذا الشعور بداخلك، وأن تتحكم فى تصرفاتك وأنت تمر بهذا الشعور. مثلاً، حتماً ستشعر بالإهانة أو بالغضب إذا أساء إليك شخص ما، لكنك تستطيع أن تتحكم هل هذا الشعور بالغضب سيطول معك، وتستطيع أن تتحكم فى تصرفاتك أثناء غضبك، تستطيع أن تطلق لغضبك زمام قيادتك فتنفجر فى وجوه الآخرين أو تحطم ما تطاله يدك، وتستطيع أن تضبط نفسك فلا تفعل أياً من هذه الأشياء.

وقرب المشاعر من الأفكار يؤدى إلى مشكلة خطيرة جداً، ألا وهى الخلط بين الأفكار والمشاعر. لعلك تتساءل: وما الخطورة فى ذلك؟

يأتى الخلط بين الأفكار والمشاعر عندما تقول: “أنا حاسس إن مفيش حد بيحترمنى”

“حاسس” يجب أن يأتى بعدها شعور كالغضب، أو الإهانة، أو الغيظ…الخ.

“مفيش حد بيحترمنى”: هذه فكرة وليست شعوراً.

شعورك بالغضب أو …الخ يجب أن يُحتَرَم ويُقبَل كما هو. فالمشاعر كالأحاسيس الجسدية، ليس فيها صواب وخطأ، ويجب أن تُقبَل كما هى.

أما الأفكار فيمكن مناقشتها والحكم عليها بالصواب أو الخطأ. فمثلاً فكرة “مفيش حد بيحترمنى” يمكن مناقشتها، فتسأل نفسك: هل كل الناس لا يحترموننى؟ لماذا أقول ذلك؟ ما الدليل على أن هناك أناساً يحترموننى؟ من بالتحديد الذى لا يحترمنى؟ هل لأن شخصاً أو حتى بعض الأشخاص لا يحترموننى أقول أن لا أحداً يحترمنى؟

وهذه بعض الأمثلة الأخرى التى تبين بين الأفكار والمشاعر:

شعور: أنا أشعر

فكرة: أنا أعتقد

(من هنا تنشأ المشاعر لا من الأحداث)

حدث

أشعر باليأس

سأظل أرتكب هذا الخطأ طوال عمرى

ارتكبت نفس الخطأ مرة أخرى

أشعر بالإحباط، الخوف

الكل سيتركوننى

شخص أحبه تركنى

أشعر بكراهية نفسى

أنا غير جذاب ولن تقبلنى أى فتاة

الفتاة التى تقدمت لها رفضتنى

أشعر بالرعب

إذا أصابنى مكروه فلن يصل لى أحد

أنا بمفردى فى مكان بعيد

أشعر بالغضب

لن يردها، إنه يستغلنى

صديقى طلب منى سلفة كبيرة

أشعر بالحزن

لا تريد الرد، لا أحد يهتم بى

اتصلت بصديقتى ولم ترد

أشعر بالعجز

لن أستطيع مواجهة الضغوط

علىّ ضغوط كثيرة

يتضح من الأمثلة السابقة أمر هام جداً، وهو أن المشاعر تنشأ من تفسيرنا للحدث وليس من الحدث فى حد ذاته.

عندما نخلط بين الأفكار والمشاعر، فنقبل الأفكار بلا مناقشة، ونحكم على المشاعر فنقبل بعضها ونرفض بعضها يحدث أمران خطيران:

الأول: أننا قد نقبل عن أنفسنا أفكاراً خاطئة ونعتبرها حقيقة، مما يؤثر على سلوكياتنا، وعلاقاتنا وحالتنا النفسية. فالشخص الذى يعتقد اعتقاداً جازماً أن لا أحد يحترمه ستكون نظرته إلى نفسه متدنية، مما يجعله قد يقبل بأن تُنتَهَك حدوده فى العلاقات، ومما يجعله قد يقبل بأعمال لا تتناسب وقدراته وخبراته فقط لأنه يعبر نفسه غير محترم.. وقد يتصرف بالعكس تماماً فيتعالى على الآخرين ويتكبر عليهم لأنه يريد أن يحمى نفسه ويثبت أنه محل احترام.

الثانى: أننا نكبت مشاعرنا.

ما معنى الكبت؟ وما أعراضه؟

الكبت ليس مجرد عدم التعبير عن المشاعر، ولكنه عدم الإدراك المطلق لوجود المشاعر.

وأعراض الكبت متعددة، منها:

  1. السلوكيات الإدمانية القهرية (كالإفراط فى الطعام، التدخين، المخدرات، الجنس، العمل، الشراء، الكمبيوتر، التليفزيون..الخ.)
  2. الميل لجعل الكلام مع الآخرين سطحياً وتفادى الكلام عن النفس والمشاعر، واستخدام صيغة المخاطب بدلاً من المتكلم (مثال: وتحس أنك متضايق، أو الواحد بيحس بالذنب لما… الخ وذلك بدلاً من قول: أنا باتضايق أو باحس بالذنب لما…الخ)
  3. اللطف الشديد ثم التحول إلى سلوكيات تلقائية عكسه تماماً.
  4. سهولة الإصابة بالاكتئاب بلا سبب ظاهر.
  5. غياب الدافع أو الحماس لقضية فى الحياة.
  6. الميل للإرهاق المتكرر والأعراض الجسدية المزمنة مثل المغص، الصداع، التهاب المفاصل، زيادة حموضة المعدة التى ربما تؤدى إلى قرحة.
  7. انفجار الغضب بلا سبب أو لأسباب بسيطة.
  8. مشكلات مزمنة مع الآخرين لأسباب تافهة.
  9. صعوبة قبول النفس والآخرين.

ما السبيل إذن إلى النجاة من هذه الأخطار والمضار؟

الحل فى تنمية ذكائك الوجدانى. والذكاء الوجدانى هو القدرة على التعامل بفعالية مع المشاعر، ويتكون الذكاء الوجدانى من 5 عناصر .. هل تريد أن تعرفها؟

انتظر المقال التالى : )

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s