حاسس بإيه؟ (2)

.فى المقال السابق ناقشنا العلاقة بين الأفكار والمشاعر وأعراض الكبت المتعددة … وقلنا ان الحل للهروب من مخاطر الكبت هو تنمية الذكاء الوجدانى ..

الذكاء الوجدانى هو القدرة على التعامل بفعالية مع المشاعر، ويتكون الذكاء الوجدانى من 5 عناصر يوضحها الشكل التالى ويوضح العلاقة بينها كذلك.

أولاً: الوعى بالمشاعر وتسميتها

فى رأيك ما الذى أعان الرجل الغاضب فى هذا الفيديو على ضبط نفسه وعدم الانفجار فى وجه البائع؟

إنه الوعى بمشاعره، الوعى بأنه يشعر بالغضب والإهانة بسبب توبيخ مديره فى العمل له وليس بسبب الخطأ فى الطلب، ومن ثم أدرك نفسه وقد أوشك أن ينفجر فى البائع الذى لا ذنب له.

يجد الكثير منا صعوبة فى التعرف على مشاعرهم وتسميتها بدقة، ويكاد يقتصر قاموس مشاعرنا على كلمات قليلة مثل: مخنوق، متضايق، مبسوط… الخ. أما الوعى بالمشاعر فهو القدرة على تحديد أنواع متقاربة من المشاعر وإعطاء اسم لكل منها.

والآن توقف لحظات وفكر ما هى أهمية الوعى بالمشاعر؟

  • الوعى بالمشاعر هو المهارة الأساسية فى الذكاء الوجدانى والتى تبنى عليها بقية مهارات الذكاء الوجدانى، حيث أن الوعى الدقيق بمشاعرنا يساعدنا على التعبير عنها والتعامل معها، لأنك لا يمكن أن تتعامل مع شئ بنجاح إذا لم تكن تعرفه جيداً، وما يتبع هذه القدرة على التعامل مع المشاعر من قدرة على الصمود فى وجه إحباطات الحياة، والنجاح فى العلاقات الإنسانية التى تتطلب مهارات وضع الحدود وإدارة الخلافات.
  • الوعى بالمشاعر البسيطة يجعلنا ندرك المشاعر البسيطة ونتعامل معها قبل أن تتفاقم، فندرك الضيق قبل أن يتحول إلى غيظ ثم إلى ثورة، والتوتر قبل أن يتحول إلى قلق ثم إلى رعب، وهكذا.
  • الوعى بالمشاعر البسيطة يجعلنا أقدر على التعامل مع المشاعر القوية

كيف ننمى لدينا الوعى بالمشاعر؟

هى مهارة يمكن تقويتها بالتدريب والمحاولة. فمدرب حارس المرمى أثناء التدريب يقذف له الكرة برفق من مسافة متر واحد فيلتقطها، ثم بدأ المدرب فى زيادة المسافة تديجياً وزيادة شدة إلقاء الكرة، والحارس يلتقط. ذلك أن تكرار التقاط الكرات السهلة يخلق تعوداً لدى الحارس أن تتابع عيناه الكرة ويلتقطها بدون تفكير، فعندما تأتى كرات صعبة وقوية أثناء المباراة يستطيع أن يلتقطها.

لذا علينا أن نتدرب على سؤال أنفسنا عدة مرات فى اليوم: بِمَ أشعر الآن؟ ولماذا؟

كذلك من المهم جداً أيضاً أن تخصص وقتاً تختلى فيه بنفسك، لتتواصل معها كما تتواصل مع أحد أصدقائك، وتفكر: بِمَ أشعر، ولماذا؟ أين أنا من أهدافى؟ ماذا حققت منها؟ وماذا أخطط له الفترة القادمة؟ ما أحوال العلاقات عندى؟ ….الخ. وهذا الوقت ينبغى ألا تتنازل عنه بحال من الأحوال مهما كنت مشغولاً. لماذا؟ لأن الأعمال والالتزامات لن تنتهى أبداً، ولأن هذه الخلوة هى التى ستساعدك على تعديل بوصلتك إذا انحرفت، وعلى شحن طاقتك. وبدون هذا الوقت ستهيم فى الحياة على وجهك وتغرق فى دوامة الحياة اليومية بتفاصيلها الكثيرة.

ثانياً: التعبير عن المشاعر بالكلام

هذه هى المهارة الثانية من مهارات الذكاء الوجدانى، وهى مهارة هامة جداً لعدة أسباب:

أولها أن التعبير عن المشاعر يساعد على المزيد من الوعى بمشاعرك، ومن ثم تصبح أقدر على التعامل معها. ذلك أن الكلام من أنشطة المخ العقلانى، والشعور من أنشطة المخ الوجدانى. والتعبير بالكلام عن المشاعر وعن الأفكار المرتبطة بها يتيح للمخ العقلانى مناقشة مدى منطقية هذه الأفكار وإدارة المشاعر قبل أن تنطلق إلى السلوك. عندما نسمع أنفسنا ونحن نتكلم، تزداد مشاعرنا وضوحاً، نفهم أنفسنا بشكل أعمق، نقول كلاماً نتعجب أننا نقوله لأننا لم نكن على وعى به أو منتبهين إليه، عندما نتحدث مع الآخرين يساعدونا على فهم أنفسنا أكثر بكلامهم وتعليقاتهم وأسئلتهم.

وثانيها تشجيع الآخرين على الانفتاح وتكوين علاقات حميمة. فهناك عدة مستويات من الاتصال تتدرج من السطحية إلى العمق كالتالى: (1) الحديث عن الشئون العامة كحالة الطقس، وأحوال البلد، …الخ، وأخبار الناس. (2) التعبير عن الأفكار والآراء. (3) التعبير عن المشاعر.

قد توافقنى – عزيزى القارئ – فى أهمية التعبير عن المشاعر، ولكن لعلك تقول فى نفسك أو تتساءل: ولمن أبوح بمشاعرى؟ لا يمكننى أن أبوح بمشاعرى لأى أحد فقد يستغل كلامى ضدى أو على الأقل لا يفهمنى ولا يقدر مشاعرى.

الشخص المناسب الذى تبوح له بمشاعرك وأفكارك هو ذلك الشخص الذى يحفظ الأسرار، والذى يقدم لك التعاطف ولا يتعجل بتقديم الحلول والنصائح. جرب الانفتاح بشكل تدريجى ولاحظ ردود الأفعال، قد تخطئ فى البداية فى اختيار الأشخاص، أو تحديد ما هو مناسب أن تتكلم عنه، وقد تسرف فى التعبير عن مشاعرك وخاصة إذا لم تكن معتاداً على ذلك، ولكنك مع الوقت ستتمكن من تحقيق التوازن المطلوب واختيار الأشخاص المناسبين، تماماً كما يظل بندول الساعة يتأرجح من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار حتى يستقر فى المنتصف.

ثالثاً: إدارة المشاعر

إدارة المشاعر هى القدرة على التعامل معها وعدم تركها تتحكم فى تصرفاتك بحيث لا تأتى بتصرفات مضرة نتيجة للانسياق لمشاعرك.

ويترتب على ذلك القدرة على التغلب على إحباطات الحياة ومشكلاتها. وهذا يفسر السبب وراء وجود أشخاص أذكياء جداً ومبدعين ولكنهم غير ناجحين فى أعمالهم، فهؤلاء يفتقدون القدرة على إدارة مشاعرهم فتجده يستستلم لغضبه فلا يمكث بوظيفة، أو يخشى الفشل أو الرفض فلا يعبر عن أفكاره مع أنها قد تكون خلاقة ومفيدة جداً…الخ.

يترتب على ذلك أيضاً النجاح فى العلاقات، والذى يستلزم مقدرة على التعاطف ورؤية الأمور من وجهة نظر الطرف الآخر، وقدرة على إدارة الخلافات التى لابد أن تمر بأى علاقة.

إدارة المشاعر أيضاً تمنحك الثقة أن تعى مشاعرك وتعبر عنها عندما تدرك أنها تحت السيطرة، لأن سبباً رئيسياً وراء عدم تعبيرنا عن مشاعرنا هو خوفنا أن تستغرقنا وتسيطر علينا.

رابعاً: تحفيز النفس

هى مهارة ناتجة عن المهارات الثلاثة السابقة، وتتكون من شقين:

  1. القدرة على تأجيل اللذة أو الراحة: تعالوا نشاهد هذا الفيديو لتجربة المارشمالو، وهى تجربة شهيرة قام بها فى الستينيات عالم نفس من جامعة ستانفورد فى أمريكا، اسمه والتر ميتشل، وتكرر إجراؤها فيما بعد. تم توزيع مجموعة من الأطفال كل فى غرفة، وأعطت الباحثة كلاً منهم قطعة مارشمالو (نوع من الحلوى)، وأخبرتهم أن من ينتظرها حتى تأتى مرة أخرى ولا يأكل قطعة الحلوى التى أعطتها له فسوف تعطيه واحدة أخرى. تفوتت ردود أفعال الأطفال. وتمت متابعة هؤلاء الأطفال حتى كبروا، ووُجِد أن الأطفال الذين استطاعوا الانتظار حققوا نجاحاً أكبر من هؤلاء الذيم لم يتمكنوا من الانتظار لأن الفئة الأولى يملكون مهارة هامة وهى القدرة على تأجيل اللذة أو الراحة.
    1. التفكير الإيجابى: والأمثلة هنا لا حصر لها: تبشير النبى (صلى الله عليه وسلم) المسلمين بفتح فارس والروم أثناء غزوة الخندق والمسلمون فى أشد حالات الجوع والخوف، استمرار إديسون فى محاولاته اختراع المصباح الكهربائى رغم فشل حوالى 99 محاولة له، كولونيل ساندرز صاحب وصفة كنتاكى الشهيرة ظل يتنقل بين الولايات لبيع خلطته الجاهزة وخلال سنتين لم يستطع إلا إقناع 5 مطاعم فقط. شيئا فشئيا استطاع تأسيس سلسلة مطاعم دجاج كنتاكى والتى وصل عددها الآن إلى حوالى 15 ألف مطعم على مستوى العالم.

    خامساً: الذكاء الاجتماعى

    المهارة الأساسية فى الذكاء الاجتماعى هى التعرف على مشاعر الآخر والتفاعل معها، والقدرة على وضع نفسك مكانه (المواجدة).

    على سبيل المثال: صديق يخبرك أنه فقد وظيفته. قد تكون الوظيفة بالنسبة لك ليس بنفس الأهمية بالنسبة له، ولكن الذكاء الاجتماعى أن ترى الأمر من زاويته هو، فقد يكون عليه التزامات متعددة كالإنفاق على أسرته ودفع أقساط…الخ.

    مثال آخر: الفتاة التى غضبت من خاطبها لأنه لم يتصل بها لعدة أيام، واتهمته بعدم الاهتمام بها وخاصة أنها لم تقبل أعذاره التى قدمها إليها من أنه كان يعانى من ضغوط فى العمل إلى جانب مرض أحد أفراد أسرته. هى ترى أنها لو كانت مكانه لما منعها ذلك من الاتصال به، ولكن عندما تعلم أنه عندما يعانى من الضغوط تضيع منه الكثير من التفاصيل البسيطة قد تعذره، وتستطيع التعامل بشكل أكثر هدوءاً وحكمة. وهو كذلك يستطيع أن يعذرها ويغير من تصرفاته بعض الشئ لو أنه استطاع أن يرى الأمر من زاويتها ويفهم أن مثل هذه التفاصيل البسيطة مهمة بالنسبة للمرأة حتى تشعر بالاهتمام.

    وهذه القدرة على المواجدة يمكن تنميتها بعدة وسائل:

    1-    الاستعداد لتقبل الاختلاف بيننا كبشر، وعدم اعتبار نفسك مقياساً يجب أن يُقاس عليه كل الناس. فكل منا يختلف عن الآخر فى طريقة التفكير، والاعتقادات، والمشاعر، والظروف…الخ. ومن ثم يجب ألا تتوقع أن يفكروا ويشعروا ويتصرفوا مثلك عند التعرض لنفس الموقف.

    2-    الاستماع الذى يهدف إلى الفهم والتقرب من الآخرين، وليس الهادف إلى تصيد الأخطاء.. الاستماع إلى ما وراء كلام الآخرين وليس إلى الكلام نفسه فحسب.

    وهذه الأمور لن تستطيع أن تفعلها إلا إذا فهمت مشاعرك أنت أولاً واحترمتها. فالفتاة المخطوبة فى المثال السابق لن تستطيع أن تضع نفسها مكان خاطبها إلا إذا احترمت مشاعرها بالغضب ورغبتها فى أن يوليها مزيداً من الاهتمام. تماماً كما يأتى لك شخص غاضب، لن تستطيع أن تنصحه وتوجهه إلى خطأه إلا إذا أقررت مشاعره واحترمتها، وتركت له الفرصة ليعبر عن نفسه مستمعاً إليه استماعاً جيداً.

    فى المقال القادم:
    خدعوك فقالوا “معتقدات خاطئة حول الذكاء الوجدانى”
    سلم النضوج الوجدانى

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s