صفحات من تجربتى “نحو الحلم”

فى المقال السابق حكيت لكم مقتطفات من طفولة المهندس عثمان أحمد عثمان، وكان تركيزى فيه على دور أمه فى صنعه ونجاحه. أما فى هذا المقال، فسوف ترون ثمرة غرس هذه الأم العظيمة، وذلك فى رحلة كفاح م/عثمان نحو تحقيق حلمه.

سوف أواصل رواية مقتطفات من حياة م/عثمان، وسوف أركز فى هذا المقال على مرحلة شبابه لأسوق لكم من خلالها عوامل نجاحه كما رأيتها واستنتجتها من بين صفحات حياته.

لقد كان من سمات م/عثمان ومهاراته التى كانت سبباً فى نجاحه قدرته على توفير المال وتحقيق الهدف بأقل التكاليف والإمكانيات المتاحة. وسوف أسوق فى هذا الصدد موقفين تتجلى فيهما هذه المهارة بوضوح، الأول من طفولته والآخر من شبابه:

الموقف الأول: كان الصبى عثمان يقوم بتنظيم المعسكرات لزملائه فى المدرسة، ويقسم الأدوار بينهم، ويحدد لكل منهم نوع الطعام الذى يأتى به. ولتوفير النفقات، كان يطلب من كل اثنين أن يركبا دراجة واحدة. كما كان يطلب من كل واحد أن يحضر سنارة ليصطادوا بها السمك الذى يحتفظون بجزء منه للغداء ويبادلون الجزء الآخر مع الفلاحين الموجودين بالمنطقة للحصول على ما يحتاجونه من خضروات وفاكهة. وكان يطلب من زملائه ألا يخبروا أهاليهم عن تلك المعسكرات، وبهذا تعلم كتمان السر وهو أمر أفاده كثيراً فى عمله لما تتطلبه العطاءات من كتمان شديد.

الموقف الثانى: كان م/ عثمان من سكان مدينة الإسماعيلية. وعندما التحق بكلية الهندسة بالقاهرة ذهب للإقامة مع أخته المتزوجة بباب الخلق. وفى يوم أعطته مائة وعشرين قرشاً ليستخرج اشتراكاً فى الترام بدلاً من شراء تذكرتين يومياً. ففكر هو فى شراء دراجة يستخدمها طوال سنوات الدراسة. وبهذا يوفر بذلك ثمن الاشتراك الذى سيضطر إلى تجديده كل عام ولا يضمن أن يكون قادراً على ذلك، ولا يثقل على أخته. سأل على ثمن الدراجة فوجدها بجنيهين، فسافر إلى الإسماعيلية وذهب إلى بعض أصحاب ورش الدراجات الذين يعرفهم وسألهم عن بعض قطع الدراجات التى لم يعودوا يستخدمونها، وقام بتجميع هذه المخلفات وصنع منها بنفسه دراجة دون أن يستعين بأى منهم حتى لا يتقاضوا منه أموالاً. ولم يكلفه ذلك أكثر من ستين قرشاً!

العامل الثانى لنجاح م/عثمان هو أنه كان يملك حلماً يؤمن به، وهناك مثل قديم يقول “ليس هناك على الأرض أقوى من رجل عاش من أجل فكرة”. يحكى ما قاله لأخيه إبراهيم عن حلمه: “كنت أحلم كلما كنت أذهب مع خالى إلى مواقع الشركات الأجنبية العملاقة فى منطقة القناة أن أكون  مقاولاً مثله، ولكن بنفس إمكانيات تلك الشركات” ويستطرد قائلاً: “وكان جميع العاملين فيها من المصريين، وكانت السيطرة للأجانب، لذلك قلت لنفسى وقتها لماذا لا يكون هناك مهندس مصرى يعمل مقاولاً يستثمر طاقات أبناء بلده لصالح بلده؟”

ولم يكن الأمر مجرد أحلاماً فى الخيال، ولكن كانت لديه رؤية واضحة مكنته من اتخاذ خطوات واقعية فى سبيل الوصول إلى هذا الحلم. فقد رأى م/عثمان أنه بحاجة إلى ثلاثة أشياء لكى يبدأ عمله  الخاص، وهى: العلم، والخبرة والمال. ولهذا، ذهب للعمل مع خاله بشركته ليكتسب الخبرة، ويجمع المال اللازم لبدء عمله الخاص. كان يعمل بلا حساب للوقت، وكل ما كان يحاسب نفسه عليه يومياً: ماذا أضاف إلى علمه وخبرته؟ كما كان أول من يذهب إلى موقع العمل منذ شروق الشمس وآخر من يغادره عند مغربها.

وعندما شعر أنه اكتسب ما يلزمه من خبرة ومال ليبدأ عمله الخاص، ترك العمل مع خاله وأسس شركته. فأين كان أول مقر لها؟ وماذا كان حجم مشروعاته الأولى؟ وكم كان عدد الموظفين؟ وكيف عرف الناس بشركته؟

وهنا مفتاح آخر للنجاح وهو البداية المتوضعة من أجل أحلام كبيرة، التدرج، الصبر. لقد كان أول مقر لشركة م/عثمان حجرة فى العيادة الخاصة بأحد أقارب والدته. وكان أول مكتب مصنوع من أخشاب اشتراها م/عثمان من مخلفات الجيش البريطانى، واستأجر نجارين لصنعه وشاركهما العمل لتخفيض التكاليف إلى أقل حد ممكن.

وكانت مشروعاته الأولى متواضعة وصغيرة الحجم، فقد كان يقبل بأى عمل متواضع (مثل إعداد رسم كروكى لدكان، وترميم بعض المنازل) وبأى مقابل مادى، بل كان يقوم ببعض الأعمال دون مقابل مادى أحياناً لأن أهم شئ عنده فى ذلك الوقت أن يبدأ مكتبه فى مزاولة نشاطه.

ولم يقتصر دوره فى الشركة على القيام بدور المهندس أو المدير للشركة فقط، فقد كان يقوم بترتيب وتنظيم العمل والإشراف على كل شئ بنفسه دون أن يساعده أحد. وكان يقوم بالإضافة إلى ذلك بدور السائق حتى علم الأسطى بهلول بنفسه قيادة السيارات والذى تولى العمل على اللورى ليبدأ م/عثمان فى تكوين أسطول النقل الخاص بشركته. كذلك كان يقوم بدور عامل النظافة حيث كان يقوم بتنظيف حجرة المكتب كل مساء بعد الانتهاء من العمل. كما كان يقوم بدور أى عامل يتخلف عن عمله.

وكان يخرج كل يوم يتجول فى الإسماعيلية فى المقاهى وأماكن التجمعات ليقدم نفسه للناس ويعرفهم بأنه بدأ مزاولة نشاطه فى المقاولات.  وطبعاً تعجب واعترض الكثيرون كيف يكون مهندساً مرموقاً ويترك هذه المكانة ليعمل مقاولاً، ولكنه الحلم ووضوح الرؤية..

فى المقال القادم إن شاء الله نستعرض مواقف ولمحات أخرى من حياة م/عثمان ومفاتيح أخرى من مفاتيح نجاحه.

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s