الشقة الجديدة

“أنا عايشة لوحدى.. أيوه عايشة لوحدى.. وإحساس وحش أوى لما الواحد يكون عايش لوحده ويتصل بحد فى التليفون فيلاقيه مش بيرد أو قافل الموبايل… لما بيحصل معايا كده باحس بوحدة فظيعة! ساعات بيبقى نفسى أتكلم مع حد، ولما مابالاقيش حد أتكلم معاه، بابص فى المراية وأقعد أكلم نفسى. ساعات باحس إنى مجنونة! ممكن تكونوا بتسألوا نفسكم: ليه أنا عايشة لوحدى؟ وإزاى مش خايفة على نفسى؟ ويمكن تكونوا بتقولوا جواكم علىّ إنى بنت مش كويسة. كل اللى بيعرفوا إنى عايشة لوحدى بيقولوا علىّ كده، حتى لو مش بلسانهم بس بنظراتهم.. بس لو عرفتم أنا ليه عايشة لوحدى هتعذرونى.

ماما ماتت وأنا صغيرة، يعنى وأنا عندى 5 سنين كده. وبابا اتجوز واحدة تانية، توقعت إنها هتكون زى ماما، وإنها هتعوضنى عن الحب والحنان اللى فقدتهم بموت ماما لكنى كنت باحلم وحياتى مع الست دى كانت كابوس! بابا كان بيخرج الصبح يروح الشغل ومايرجعش إلا بالليل، يعنى هى اللى كانت قاعدة بوزى فى بوزها طوووول اليوم. والمصيبة أنها ماكانتش بتشتغل، وعشان كده أنا كنت عكس كل الأطفال باكره الأجازة لأنى هافضل قاعدة فى وشها طول اليوم، لكن أيام الدراسة كان نص اليوم بيعدى فى المدرسة، كنت باشوف أصحابى وبالعب معاهم وباتكلم معاهم. لكن فى الأجازة كنت بافضل قاعدة فى البيت، حابسة نفسى فى الأوضة، برضه لوحدى! يظهر الوحدة دى مكتوبة علىّ من زمان! بالعب بلعبى لوحدى، ماكانش فيه حد أكلمه إلا لعبى، كنت باقعد أفتكر ماما وأعيط… وهى ماكانتش تيجى لى الأوضة إلا لو عاوزانى أساعدها فى حاجة فى البيت أو عاوزانى أنزل أشترى لها حاجة من تحت. وماكانتش أبداً بتنادينى باسمى، كانت دايما تقول لى: يا زفتة، روحى يا زفتة، تعالى يا زفتة.. لدرجة إنى نسيت اسمى! كانت برضه بتفتكرنى فى حالة تانية: قبل ما بابا يرجع من الشغل بنص ساعة كده ألاقيها داخلة علىّ الأوضة وتيجى تشدنى من إيدىّ وتقول لى: يللا يا زفتة قومى أحميكِ عشان أبوكِ يرجع من الشغل يلاقيكِ نظيفة. وبعد ما تحمينى تسرح لى شعرى وتلمه لى ديلين حصان، وتحط لى بارفان وتسيبنى أكمل لعب. عمرها ما كانت بتاخدنى فى حضنها إلا قصاد الناس عشان تبان بس إنها حنينة علىّ. ولما خلفتْ، فرحتُ بالنونو الصغير وقلت أخيراً جالى أخ ألعب معاه بدل ما أنا بالعب لوحدى علطول لكن… لكن للأسف كنت عبيطة لأن معاملتها معايا بقت أسوأ من الأول. طول النهار كانت بتشغلنى فى البيت، وزعيق وشتيمة وتلطيش على الوش لو اتكلمت ولا قلت لأ ولا غلطت فى حاجة.. كنت باحس بالرعب.. خايفة أعمل أى حاجة.. خايفة أغلط.. كان قلبى بيتقطع وأنا شايفة أخويا الصغير بيتعامل معاملة تانية خااااالص غير اللى أنا باتعاملها. طبعا هو كانت علطول بتضحك له، وتلاعبه، وتكلمه بصوت كله حنية وفرحة.. لكن لما تشوفنى أنا بتحول علطول على المحطة التانية! وغصب عنى بقيت أغير من أخويا وأكرهه.

ممكن تسألونى: طب ليه ماكنتيش بتقولى لباباكِ؟ هتستغربوا لما تعرفوا أن بابا كان عمره ما بيسألنى طنط عاملة معاكِ إيه؟ ولا كان عمره بيحس إنى متضايقة أصلاً. هو كان بيرجع من الشغل، يخش علىّ الأوضة ويقول لى ازيك يا سوزى، ويبوسنى ويحضننى حضن بارد وسريع، ويسألنى اتعشيتِ؟ أقول له: أيوه يا بابا، يقوم يطبطب على ظهرى ويقول لى: طيب يلا كملى لعب، ويمشى ويسيبنى. سيناريو فضل يتكرر سنين وسنين. كان نفسى مرة يقعد ويسألنى: عاملة إيه؟ حاسة بإيه؟ كان نفسى مرة ياخدنى وينزل يتمشى معايا، ونقعد نتكلم مع بعض.. أنا كنت صغيرة، مش قادرة أتكلم كده من نفسى، مش قادرة أفهم نفسى، محتاجة حد يسألنى. بس هو كمان كان سايبنى لوحدى.

حتى أخويا الوحيد كان بيكرهنى، كرهته فىّ، وكرهتنى فيه، كتر خيرها! تخيلوا كانت بتقول له: دى عاوزة بابا يموت عشان تاخد فلوسه كلها، وكان لما يبقى عاوز يخرج معايا تقول له: لا، فيسألها: ليه يا ماما؟ فتقول له: أصلها هتسيبك فى الشارع لوحدك والحرامى ييجى ياخدك.

عدت السنين وكبرت وبقى عندى 14 سنة. كنت فى سن محتاجة حد يصاحبنى ويتكلم معايا، حطيت كل همى فى اللبس والماكياج والأغانى والمسلسلات. وفى مرة كده فكرت وقلت لنفسى: هم مش بيقولوا أعز الولد ولد الولد؟ ليه ماروحش أعيش مع جدتى؟ وقلت لبابا.. تخيلوا ماسألنيش ليه؟! ورحت عشت مع جدتى، وأنا متخيلة إنى هالاقى عندها الحنان والحب اللى ماتوا فى حياتى من يوم ما ماما ماتت.. بس للأسف جدتى كان خلقها ضيق وماقدرتش تستحملنى لأنى كنت مناكفة ومتمردة وكأنى كنت باطلع عليها الكبت اللى اتكبته السنين اللى فاتت كلها فى بيت بابا. فكلمت بابا وقالت له: تعالى خد بنتك، دى فى سن المراهقة وطايشة وأنا ست كبيرة ومش أدها أحسن تجيب لى مصيبة، تعالى خدها، البنت فى السن ده محتاجة راجل يشكمها. وفعلا جه بابا أخدنى.

وفى يوم حسيت أنى مش قادرة أعيش فى البيت ده خلاص أكتر من كده، ولاحظت فى الأفلام الأجنبى اللى كنت مدمناها إن الولاد والبنات من سن 16 سنة بيستقلوا بحياتهم، فقلت لنفسى: طب ليه ماعملش كده؟ بس هاقول لبابا إيه؟ ماكنتش عارفة بس كنت عارفة ومتأكدة إن هو ده الحل الوحيد للجحيم اللى أنا كنت عايشاه. صحيح أنا برضه عايشة دلوقت فى جحيم بس يعنى أهون شوية. المهم بدأت أدور على شقق إيجار ولقيت شقة فى وسط البلد اللى باعشقها. ومرة كده رحت وقلت لبابا: بابا، أنا عاوزة أعيش لوحدى. بص لى كده وسكت وسألنى: ليه، حصل حاجة؟ سكت لحظات وسرحت: حصل حاجة؟! أخيراً سألتنى السؤال اللى بقى لى 10 سنين مستنياه؟! هاحكى لك إيه ولا إيه؟! خلاص فات الأوان! وبعدين اتكلمت وقلت له: لأ أبدا مفيش حاجة حصلت، بس أنا كبرت وعاوزة أجرب أستقل بنفسى. سألنى: بس أنت مش هتخافى تقعدى لوحدك؟ طبعاً أنا كنت خايفة بس قلت له: لأ، هاخاف من إيه يعنى؟ فقال لى بمنتهى البرود: طيب يا حبيبتى، مفيش مشكلة. بصراحة كنت هاتجنن. أنا آه كنت عاوزاه يوافق، بس برضه كنت نفسى أحس إنه خايف علىّ، إنى أفرق معاه. ده أنا أصحابى فى الجامعة أبهاتهم بيعملوا لهم مشكلة لو اتأخرت الواحدة منهم شوية بس، مش هو عادى سايبنى أعيش لوحدى! قلت له: طيب، الشقة فى وسط البلد وإيجارها كذا. قام دخل الأوضة وراح جاب لى المبلغ اللى أنا عاوزاه وزيادة عليه شوية وقال لى: تصبحى على خير يا حبيبتى، وربنا يوفقك.

أخدت المبلغ فى فرحة وذهول وصدمة وقلق ومشاعر كتير كده ملخبطة. ماجاليش نوم طول الليل، وقعدت لميت حاجتى كلها، والصبح خرجت من أوضتى بشنطى، وكان بابا وطنط وأخويا قاعدين بيفطروا. قال لى: خلاص ماشية يا حبيبتى؟ قلت له: أيوه. قال لى: كنت عاوز أوصلك بس معلش مش هاقدر عشان ماتأخرش على الشغل، خدى تاكسى، وطلع من جيبه 50 جنيه واداها لى. قربت من بابا أبوسه فباسنى البوسة الباردة وحضنى الحضن البارد اللى اتعودت عليهم طول عمرى، ولسة هاقرب من طنط عشان أبوسها لاقتها بتبعدنى عنها وبتقول لى: أنا عندى برد. فقلت لها: سلامتك. وبعدين قربت من أخويا الوحيد عشان أبوسه راح بعد وشه عنى وهو مكشر وكأنه مش طايقنى. نزلت وأخدت تاكسى ووصلت بيتى الجديد. كنت فرحانة جدا، لأول مرة أحس إنى باتنفس حرية.

معلش أنا عارفة إنى طولت عليكم، أنا هاجرى شوية عشان أنا أخدت أكتر من وقتى. المهم، دخلت الجامعة واتعرفت على زميل لى فى الكلية. أعجبت بيه وارتحت له، وحسيت إن هو كمان بيبادلنى نفس المشاعر دى. لأول مرة فى حياتى بعد سنين طويلة من وفاة ماما، أحس إن فيه حد مهتم بى وأنا مهتمة بيه، إن فيه حد شايف فىّ حاجة حلوة، إن فيه حد بيسأل علىّ لما أغيب من الكلية أو لما أكون عيانة أو متضايقة. كنت باتكلم معاه فى كل حاجة إلا أى حاجة لها علاقة بمرات بابا، أو بإنى عايشة لوحدى. كنت خايفة يعرف فنظرته لى تتغير ويبعد عنى ويسيبنى. كنت مخبية الموضوع ده عن كل زمايلى فى الكلية. المشكلة أن طبيعة كليتنا كانت بتتطلب أننا ناخد شغل ونكمله معانا فى البيت، وكمان كانت بتعتمد على العمل الجماعى، فكنا كل مرة بنتجمع فى بيت حد فينا. وطبعاً لما كان بييجى الدور علىّ كنت باقعد أتحجج بأى حاجة: مرة أصل بابا تعبان، مرة أصلهم فى البيت مسافرين وأنا عند جدتى، أى حاجة. المهم، خلصت السنة الدراسية، كنت زعلانة أوى عشان زميلى اللى باحكى لكم عليه ده هيوحشنى جداً. وفى يوم وأنا نازلة من شقتى وخارجة فوجئت بزميلى نازل قدامى على السلم! وقفنا وسلمنا على بعض، وسألته: أنت بتعمل إيه هنا؟ قال لى أنه جاى يتدرب فى إجازة الصيف فى مكتب هندسى عندنا فى العمارة. نزلنا مع بعض. واحنا خلاص خارجين من العمارة، لقيت البواب بيجرى علىّ وهو ماسك فى إيده ظرف وبينادى: آنسة سوزى، آنسة سوزى.. والد حضرتك عدى من شوية وساب لك الظرف ده وبيقول لك: ينفع كده تقعدى 5 شهور ماتعديش على بابا تسلمى عليه؟!

سمعته وأنا فى ذهول، بصيت له وبصيت لزميلى، وزميلى كان باصص لى فى ذهول وحيرة وكأنه مستنى أشرح له اللى سمعه، والبواب فضل مادد إيده بالظرف وبيبص لى وبيبص لزميلى.. حسيت بالشلل التام للحظات، حسيت إنى عاوزة الأرض تنشق وتبلعنى، قلت فى نفسى: ياريتنى مت قبل ما أشوف اللحظة دى. ادورت وجريت على السلم وأنا منهارة فى العياط…..”

وانهارت سوزى فى البكاء ولم تستطع أن تكمل قصتها، فقدمت لها منة، عضو آخر بمجموعة المساندة النفسية، منديلاً وربتت على كتفها قائلة: “ياااااه يا سوزى، ألبتِ علىّ المواجع” وبدأت تحكى قصتها…

One response to “الشقة الجديدة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s